1,277

تزامنت ويلات الحرب في اليمن مع ازدهار لتجارة الأعضاء البشرية، وتحوَّل سكان المدن اليمنية لحقل تجارب، تُنتزع فيه أعضاؤهم الجسدية مقابل آلاف الدولارات في محاولة لمواجهة الفقر المُدقع الذي حوله الحرب لمذلة ومشقة كُبرى على حياة اليمنيين. يستعرض التقرير التالي وقائع بيع آلاف اليمنيين لأعضائهم البشرية مقابل مكافآت مالية، وتحول هذه المسألة لظاهرة بعدما تبارى الكثيرون منهم نحو السماسرة لمواجهة ظروف الفقر التي خلقتها الحرب المفتوحة على البلاد من كُل صوبٍ وحدب.

«يوسف».. يمني باع كليته انتهى به الحال داخل قرية مصرية

اضطرت ظروف الحرب الدائرة في العاصمة اليمنية صنعاء «يوسف غالي»، 36 عامًا، لمُغادرة بلاده، برفقة زوجته،  إلى العاصمة المصرية، منذ عامين، على متن خطوط شركة مصر للطيران، بعدما أخذ عهدًا من  أحد أصدقائه القدامى بتقاضيه مبلغًا ماليًا يصل إلى 10 آلاف دولار مقابل التبرع بإحدى كليتيه لثري خليجي، فضلًا عن التعهد بفرصة عمل مستقرة تكفُل له مصاريف معيشته اليومية، وتحقق له دخلًا ثابتًا بمرور الأيام.

Embed from Getty Images
نازح يمني يتلقى مساعدات من إحدى المؤسسات الخيرية  

لم يكن أمام يوسف خيار بديل عن السفر للقاهرة، على نفقة زميله، لبيع كليته؛ بعدما أغلقت الشركة التي كان يعمل بها بمدينة صنعاء، وجرى قصف بيته في إحدى غارات التحالف، وتشرد أغلب أفراد عائلته بين مهاجر لأوروبا، ومدفون في مقابر العائلة، ومن تبعثر رفاته في طيات المباني المتهدمة، وسط الغارات التي لا تهدأ أصواتها.

وعود صديقه الذي زامله خلال فترة عمله بالشركة اليمنية، لم تكتمل، بعد إجراء يوسف العملية الجراحية بإحدى المستشفيات الخاصة، والتبرع  بالكلية اليمنى لمواطن سعودي،  إذ تقاضى يوسف 4 آلاف دولار وتهرّب الرجل من وعده بفرصة عمل دائمة، لينتهي الأمر بيوسف وزوجته  للسكن بقرية بمحافظة الشرقية، شرق العاصمة المصرية، وتأسيس محل لبيع كروت الشحن وإكسسوارت الأجهزة التليفونية.

يحكي يوسف بصوتٍ يملؤه الحزن وقائع رحلته لـ«ساسة بوست» ويقول: «صحيح لم أتقاضَ المبلغ كاملًا المُتفق عليه، لكن لم يكن أمامي خيار سوى ما فعلت بعدما أغلقت كافة الأبواب أمامي في بلدي، وتحولت البلاد لساحة حرب لا تعرف الهدنة». يوسف ليس اليمني الوحيد الذي اضطرته الظروف المعيشية الصعبة والحرب في اليمن لبيع أعضاء جسده، إذ رصدت المؤسسة اليمنية لمكافحة الاتجار بالبشر أكثر من ألف حالة بيع واتجار بالأعضاء البشرية ليمنيين، في الفترة بين عامي 2009 و2014، معظمهم تم إجراء عمليات لهم في مستشفيات بمصر، ودول عربية أخرى بينها السعودية، لكن المؤسسة تتوقع أن يكون العدد الحقيقي للحالات أكبر من هذا الرقم بأضعاف.

وتراوحت المبالغ المالية التي حصل عليها اليمنيين ممن باعوا أعضاءهم بين أربعة وخمسة آلاف دولار، بينما يكسب الوسطاء مبالغ تصل إلى 50 ألف دولار. وصُنفت اليمن ضمن أسوأ سبع دول عربية تشهد اتجارًا بأعضاء البشر في العالم، وفقًا لتقرير الخارجية الأمريكية السنوي عن واقع هذه التجارة في العالم.

مصر.. مركز تجنيد اليمنيين لبيع أعضائهم البشرية

تحولت مصر لمركز استقطاب لفقراء اليمن لإخضاعهم  لعمليات التبرع مقابل مكافأة مالية، يدفعها المتبرع والتي تتوزع على دائرة من الوسطاء تنتهي عند المريض الذي عادة ما يتقاضى أقل مبلغ، حسب الشهادات الموثقة. ونزح نحو ما يقرب من ثمانية آلاف يمني إلى مصر، مع بداية الحرب، ليصل عدد إجمالي اليمنيين المقيمين فيها إلى أكثر من 80 ألفًا، حسب مسؤول شؤون المغتربين بالسفارة اليمنية.

يحكي سمسار يمني يُدعى «علي» في برنامج تليفزيوني على قناة الحرة الأمريكية أن مصر هي مركز تجنيد اليمنيين لبيع أعضائهم البشرية برضاهم، عن طريق سماسرة يتولون جذب اليمنيين عن طريق المبالغ المالية، والاتفاق مع إحدى المستشفيات الخاصة لإتمام العملية أو مستشفى وادي النيل بكوبري القبة التي شهدت أغلب العمليات، ويبرر توسع هذه العمليات داخل مصر للسهولة في عملية السفر بين اليمن ومصر دون الحاجة للتأشيرات.

ويضيف «علي» أن السماسرة داخل مصر يكونون إما مصريين أو أردنيين، ويمنحون المتبرع اليمني تذكرة سفر بلا عودة حتى لا يضطر اليمني للعودة عند إتمام الاتفاق، وتهديده بتسليمه  لأجهزة الأمن حال تراجعه عن التبرع بعضوه الجسدي ، موضحًا أن اليمنيين المستهدفين يكونون غير متعلمين، وقبليين يجهلون القراءة والكتابة.

ويوضح  «علي» أن المبلغ الذي يتقاضاه اليمني جراء بيع كليته يصل 5 آلاف دولار، بينما تصل مكافأة الوسيط اليمني  إلى ألفي دولار عن كُل حالة، والوسيط المصري ترتفع مكافأته لـ20 ألف دولار، ويدفع المريض نحو 60 ألف دولار. وأصدرت وزارة العدل اليمنية، في نهاية 2013، تعميمات لجميع المحاكم اليمنية بعدم الموافقة على أي تنازل عن أعضاء بشرية أو تبرع بها، إلا بعد موافقة وزارة الصحة، وصدور قرار وزاري بذلك.

Embed from Getty Images
صورة توضح حجم الحرب والتدمير في اليمن

وقدرت منظمة اليونيسف أن 60% من سكان اليمن يعيشون تحت خط الفقر، فضلًا عن تراجع الإيرادات للمواطنين، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الخدمات الحكومية، وتوقعت في أحد تقاريرها ازدياد حالات سوء التغذية في كافة أنحاء البلاد، بسبب الوضع الإنساني المتردّي جراء النزاع هناك. بينما فاقمت الحرب الدائرة التي تشهدها البلاد عدد الفقراء في اليمن خلال أقل من عام، ليزحف الفقر إلى نحو 80% من إجمالي سكان البلاد البالغ عددهم 24 مليونًا.

القوانين غائبة والأثرياء يهربون لأوروبا

سعت الحكومة اليمنية لصدور قوانين لمحاربة هذه الظاهرة، وتشديد العقوبات على السماسرة المنتشرين داخل المدن اليمنية بمشروع قانون في أكتوبر(تشرين الأول) 2014، لكن تتابع أحداث الحرب في اليمن، واستمرار حالة الشقاق داخل مؤسسات الدولة، أدت إلى عدم التصديق عليه، حسب ما ذكرت منسقة اللجنة الوطنية الفنية لمحاربة الإتجار بالبشر سماح عيال.

وتنص المادة 248 من قانون العقوبات بالسجن 10 سنوات لأي شخص «يقوم بشراء أو بيع أو إهداء البشر أو يتعامل بالاتجار بالبشر أو من يقوم باستقدام شخص إلى اليمن أو ابتعاثه خارج اليمن لغرض استغلاله». وقد كشفت التحقيقات التي وثقت ظاهرة بيع الأعضاء البشرية  في اليمن، إلى أن أحد أسباب توسع الظاهرة هو تورط مسؤولين  بتسهيل إجراءات سفر المُتبرع اليمني للخارج، عبر تزوير أسباب السفر وكذلك الشهادة الصحية لليمني الذي يسافر لإجراء العملية خارج البلاد، أو تسهيل عملية التبرع داخل إحدى المستشفيات اليمنية، مقابل الحصول على مكافأة مالية تصل في بعض الحالات لـ5 آلاف دولار.

وتباينت مسارات اليمنيين داخل موطنهم على إثر الحرب الممتدة منذ أربع سنوات متصلة؛ فبينما دفعت الحرب الفقراء لبيع أعضائهم للتغلب على الظروف المعيشية الصعبة والأمراض المزمنة، انتقل ما يُقارب من مليوني يمني ينتسبون للفئات الغنية  بينهم مئات الكفاءات اليمنية ذوي التخصصات النادرة من أطباء وأساتذة جامعات ومهندسين وغيرهم للهجرة للدول الأوروبية، وقدرت المنظمات الدولية خسائر الحرب اليمنية بما يقرب من 14  مليار دولار.

وحذرت الأمم المتحدة في نهاية أبريل (نيسان) من أن نحو 17 مليون يمني تهددهم المجاعة التي لا يمكن تجاوزها إلا من خلال تقديم مساعدات سريعة وشاملة.