يعرف بأنه رجل المتناقضات، يتحالف مع دولة في العلن ويناور مع أعدائها في السر، يجعل الإمارات مقرًّا لأمواله ويقيم بها رموز نظامه ثم يقتل جنودها على أرضه بواسطة القوات المتحالفة معه.

إنه الرئيس اليمني المخلوع علي بن عبد الله صالح، القائل ذات يوم إن حكم اليمن يشبه الرقص على رؤوس الثعابين، لقد كان وحده القادر على ترويض الأفاعي، فأحكم قبضته على اليمن حتى بعد خلعه من الحكم بعد اندلاع الثورة اليمنية، حيث لا يزال لاعبًا رئيسًا في أحداث اليمن.

تقرير “ساسة بوست” يقرأ نفوذ صالح في اليمن خلال سنوات ما بعد خلعه من الحكم، ويعرج على علاقاته المتعددة مع دول الصراع في المنطقة.

كيف استولى الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح على حكم اليمن؟

 

 

عُرف عن علي بن عبد الله صالح بأنه سياسي وعسكري من الطراز الأول، لذلك انتزع لقب أول رئيس يمني منتخب عام 1999، لم يكن الرجل يملك تلك المؤهلات وراثيًا، فهو المولود عام 1942 لأسرة فقيرة في قرية بيت الأحمر بمنطقة سنحان (صنعاء)، وهو الذي عانى منذ كان طفلًا من طلاق والديه، فاضطر للعمل راعيًا للأغنام، ولحرص الأسر اليمنية على التعليم التحق صالح بكُتّاب القرية للتعلم، تلك القرية التي تركها عام 1958 ليلتحق بالجيش وهو في سن السادسة عشرة.

بعد عامين من التحاقه بالجيش انضم صالح إلى مدرسة صف ضباط القوات المسلحة، وساعده هذا الانضمام على المشاركة في أحداث ثورة 26 سبتمبر 1963، إذ رقي بسبب مشاركته إلى رتبة ملازم ثان، وفي عام 1964 التحق بمدرسة المدرعات ليتخصص في حرب المدرعات، وتدرج في الترقية وتوسع نفوذه حتى أصبح عام 1975 القائد العسكري للواء تعز وقائد معسكر خالد بن الوليد.

بعد توليه مسؤولية لواء تعز، أصبح صالح من أكثر الشخصيات نفوذا باليمن الشمالي. تشعبت علاقاته بشيوخ القبائل الذين أيقن أنهم أصحاب نفوذ سياسي واجتماعي قوي، ومع حلول عام 1979 ارتكبت مجموعة اغتيالات بين قادة سياسيين في اليمن، آخرهم أحمد الغشمي الذي تولى رئاسة الجمهورية لأقل من سنة واحدة، فبعد أقل من شهر أصبح علي عبد الله صالح رئيس الجمهورية العربية اليمنية بعد أن انتخبه المجلس بالإجماع ليكون الرئيس والقائد الأعلى للقوات المسلحة اليمنية.

وتعد مرحلة توحيد شطري اليمن الشمالي والجنوبي هي المحطة الأبرز خلال حكم علي صالح، إذ أعلنت الوحدة في يوم 22 مايو/أيار 1990، وشهدت السنوات الثلاث الأولى للوحدة اختلافات واغتيالات سياسية طالت جنوبيين وشماليين، وحدثت توترات أدت إلى الحرب الشاملة التي انتهت بانتصار قوات ما سمي بالشرعية برئاسة علي عبد الله صالح، ثم بعد تحقيق إعادة الوحدة يوم 7 يوليو/تموز 1994 أصبح صالح الرئيس اليمني بعد أن كان رئيس مجلس الرئاسة في أكتوبر/تشرين الأول 1994.

وبقي صالح يحكم اليمن لحين اندلاع الثورة اليمنية عام 2011 والتي على أثرها اضطر تحت الضغط السعودي لتسليم السلطة بموجب “المبادرة الخليجية”، والتي من بنودها تسليمه للسلطة بعد إجراء انتخابات عامة وضمان عدم ملاحقته قانونيًا.

 

كيف يستمر علي بن عبد الله صالح في السيطرة على اليمن بعد خلعه من الحكم؟

 

 

 

«إن الحكم في اليمن مثل الرقص على رؤوس الثعابين»، هذا التصريح الشهير للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح يشير إلى قناعة الرجل في أن حكم اليمن يتم بطرق ملتوية وبالتلاعب والمراوغة، من أجل ذلك استخدم صالح كل ما يمكنه من الظهور بمظهر الشخص القادر على جمع شتات الفصائل السياسية والإقليمية والدينية في اليمن، في داخل اليمن تعامل مع القوى لإطالة بقائه في السلطة على حساب الشعب، وخارجيًا حاول دائما أن يثبت أنه لا غنى عنه للدول الحليفة التي تشعر بالقلق من تنظيم القاعدة ثم الحوثيين، فعلى سبيل المثال “كان الرجل يقاتل ضد تنظيم القاعدة، ولكنه في الوقت ذاته عمل على استيعابهم، كما عمل على تأمين المساعدة الأمريكية والسعودية، بينما هو يغمز إلى الجهاديين أن وضعهم سيزداد سوءًا إذا خسر هو السلطة”.

وحتى عندما تأكد من نهاية حكمه، استمر في المراوغة، لم يهرب كما الرؤساء الآخرين إثر ثورات الربيع العربي، وافق على التنحي مقابل صفقة منحته حصانة من الملاحقة القضائية عن الجرائم التي ارتكبت خلال فترة حكمه، وضمن استمرار سيطرته على الحزب الذي كان يحكم اليمن تحت قبضته، هذا الحزب الذي ظل يمتلك تكتلا كبيرًا في البرلمان حتى بعد رحيل صالح.

يقول الصحفي الألماني راينر هرمان: “إن صالح عرف منذ توليه رئاسة اليمن عام 1978 كيف يوازن بين الفاعلين السياسيين المتعددين في بلاده، ففي فبراير 2012 بدا وكأن العسكري المحترف، اختفى من الساحة السياسية، لكنه بقي يحرك الخيوط من وراء الكواليس، أما اليوم فلم يعد هناك شيء يتحرك في اليمن بدونه”.

من جانبه، يقول الباحث السياسي اليمني حمزة الكمالي إن: “بقاء صالح في المشهد اليمني هو سبب المشاكل والأزمات، لأنه يمتلك مفاتيح تدمير اليمن بسبب نفوذه وارتباطه بالجيش اليمني الذي زرع على رأسه ورأس المؤسسات الأمنية أفراد عائلته”، ويتابع الكمالي: “لم يكن هناك جيش وطني يمني أيام صالح كان هناك جيش مبني على المحسوبية والحسابات القبلية والعشائرية، لذلك الآن العلاقة بين صالح والحوثيين كالتوأم السيامي الذي من المستحيل أن يعيش طرف منه دون آخر”.

 

كيف ساهمت أموال صالح في تعزيز نفوذه باليمن؟

 

حسابات مالية في البنوك وعقارات وأسهم في شركات وأرصدة وذهب، شكلت مجموع ثورة ضخمة جمعها بن صالح خلال فترة توليه لرئاسة اليمن منذ عام 1978 وحتى إجباره على التخلي عن الحكم عام 2012.

طرق عديدة تبعها صالح لجمع هذه الأموال خلال فترة رئاسته، تشير بعض التقديرات أنه كان يجمع ملايين الدولارات سنويا من رشاوى وهدايا مالية، كان يقيم شركات أعمال وهمية، ويطلب من الشركات الضخمة التي تأتي لليمن من أجل  استكشاف النفط والغاز أموالًا مقابل حصولها على امتيازات الحفر، تمكن صالح أيضًا من الاستيلاء على كل أموال حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه، حيث استولى على أموال الحزب المنقولة والأصول.

اليوم، وبعد تركه لحكم اليمن توزع هذه الأموال في أكثر من 20 بلدًا، بأسماء متعددة لجوازات سفر، وهي طريقة مكنته من إخفاء أمواله إثر العقوبات الدولية التي اتخذت بحقه، وكان تقرير أممي أكد أن: “ثروة الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح بلغت أكثر من 60 مليار دولار، جمعها من ممارساته الفاسدة وغير المشروعة”، في النهاية كان لهذه الأموال دور في تشكل النفوذ الاقتصادي وفي تمويل صالح للحرب، فقد مول وحدات قواته “قوات الحرس الجمهوري” منها واعتمد عليه في استمرار مصالحه.

 

ماذا عن علاقته بالسعودية؟

 

 

كان علي بن عبد الله صالح يُحسب خلال سنوات حكمه أنه رجل السعودية في اليمن، واعتبر أحد مصادر نفوذها على اليمن، وحتى مع اندلاع الثورة اليمنية ساندت السعودية صالح، فقد حاولت التوسط لرعاية مصالحة بينه وبين خصومه من حزب “الإصلاح” واللواء علي محسن الأحمر.

انقلبت الأمور، ووصلت العلاقة بين السعودية وبين الرئيس اليمني المخلوع إلى حد العداوة، وذلك عندما تأكدت السعودية أن الرجل يعمل ضد مصالحها، ويحالف ويتبنى مواقف أعدائها من جماعة الحوثيين وإيران، فصالح لم يستجبْ لطلب السعودية المشاركة في مواجهة الحوثيين، بل منع القوات الموالية له من مساندتهم في القتال مع الرئيس عبد ربه منصور هادي، وقد سبق لصالح أن وقف ضد المصالح السعودية حين أعلن تأييده للرئيس العراقي صدام حسين عند اجتياحه الكويت رغم إدانته الظاهرة لهذا الغزو.

اليوم فقدت السعودية الثقة بصالح بعد مواقفه المتلاحقة ضد مصالحها. تقول مارايكا ترانسفيلد الخبيرة الألمانية في شؤون اليمن: “أنه لم يعد هناك مجال عن إمكانية عودة صالح إلى السلطة بعد الهجوم السعودي”. وتضيف: “تاريخيًّا العلاقات في الأصل لم تكن يومًا جيدة تمامًا بين صالح والسعودية هذا من جهة، ومن جهة أخرى السعودية الآن تضرب أهداف صالح وتسعى لإضعافه وهذه سابقة في تاريخ العلاقات”.

رغم قتالها ضده: ماذا قدمت الإمارات لعلي صالح؟

 

تشارك الإمارات في التحالف الدولي في اليمن، بما يعني أنها تقاتل ضد الحوثيين والقوات الحليفة للرئيس اليمني المخلوع علي صالح، لكن خلف الكواليس لا يزال العديد من رموز نظام صالح يتمتعون بعلاقة جيدة مع دولة الإمارات العربية المتحدة، وأبرزهم نجله أحمد علي عبد الله صالح، الذي كان يعمل سفيرًا لليمن في الإمارات.

وما زالت الإمارات تعد أبرز مناطق استثمار صالح، يملك المخلوع عدة أبراج في مدينة دبي، إضافة إلى الكثير من الأموال تم تحويلها بعد عام 2011 إلى بنوك دبي وتم تهريب تلك المبالغ على متن الخطوط الجوية اليمنية إلى مدينة دبي، وبينما كانت الإمارات تشارك التحالف في القتال باليمن، كان نجل صالح مستمرًا بتوسيع استثمارات أسرته في الإمارات مستفيدة من التسهيلات التي منحها النظام المصرفي له بتوجيه من حكام البلاد وفق ما تشير به المصادر.

واستبق الرئيس المخلوع صالح فرض عقوبات عليه من قبل الحكومة اليمنية ومجلس الأمن الدولي والدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية لاستعادة الأموال المنهوبة، فقام بنقل الأموال واستثماراته كخطوة استباقية، وتؤكد مصادر يمنية أن الإمارات تجاهلت القرار الدولي بفرض عقوبات على صالح، وسهلت عليه نقل ملكية استثماراته بأسماء أولاده ومقربين منه بحيث لا تُظْهِر عند البحث عنها اسمَه.

 تحالف صالح مع الحوثيين بعد خوضه ستّ معارك ضدهم

 

ست معارك خاضها علي بن صالح مع الحوثيين وقعت بين عام 2002 إلى 2009، خاض تلك المعارك عندما كان حليفًا للرياض، لكن مصالح الرئيس المخلوع ومواقفه قد تغيرت بعد الثورة اليمنية عام 2011، إذ كان الرجل حريصًا على  التخلص من خصومه القدامى، ولرغبته في بناء تحالف جديد مع قوى صاعدة لجأ إلى جماعة الحوثي.

استغل صالح سيطرته على حزب المؤتمر الشعبي، وعناصر الحرس الجمهوري، وعناصر من القوات المسلحة؛ واندفع في تحالف مع الحوثيين بهدف استعادة نفوذه في البلاد. وتقاتل هذه القوات الحليفة لصالح اليوم جنبًا إلى جنب مع الحوثيين في الكثير من المعارك. وتتهم هذه القوات بتسهيل سيطرة الحوثيين على صنعاء عبر وقف أي مقاومة جادة للجيش. كما شاركت قوات صالح إلى جانب الحوثيين في العمليات القتالية في تعز والضالع ومأرب وذمار، وشارك صالح في عمليات تهريب الأسلحة التي وقعت في الفترة الانتقالية، بل تشير تقارير لم يتسن التأكد من صحتها أن صالح قد قام ببيع كمية من الأسلحة للحوثيين، وبينها مروحيات وصواريخ حرارية. وفي وقت سابق، كشف تسريب صوتي بثته الجزيرة، قيام صالح بالطلب من قيادي حوثي التواصل مع قيادات سياسية وعسكرية موالية له، والتشاور معه أيضا بشأن مرشحين لرئاسة الحكومة وهو ما قدم إشارة إضافية إلى التحالف القائم بين علي صالح وجماعة الحوثي.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد