«لم يكن من السهل علي أن أسافر بوالدي المريض قلبه والمصاب بتفتت في عظام قدمه برًّا بالسيارة، من صنعاء إلى عدن في رحلة استغرقت 24 ساعة، حتى أصل به إلى الأردن خلال ثلاث ساعات فقط بالطيارة، كي يتلقى العلاج اللازم لحالته التي فشلت مشافي اليمن في علاجها»، هذا ما قاله محمد الآنسي لـ«ساسة بوست» الذي التقينا به في مشفى المواساة بالعاصمة الأردنية عمان.

حالة والد محمد الأنسي ليست الوحيدة، بل هناك مئات القصص المشابهة، وبالتأكيد لن تنتهي هذه القصص مع إغلاق مطار صنعاء الدولي في وجه المسافرين الذين يضطرون للذهاب برًّا من الشمال إلى الجنوب اليمني، في رحلة كانت تستغرق في العادة ثماني ساعات وباتت الآن تأخذ في أحسن الأحوال لها 20 ساعة وقد تطول أكثر من ذلك بكثير، خاصة مع الحواجز المنتشرة للحوثيين الذي يشددون الإجراءات على المغادرين مناطقهم وأيضًا العائدين إليها، وكذلك عند دخولهم المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية والتي هي أيضًا تقوم بإجراءات أمنية معقدة وقد تستغرق في ذلك بضع ساعات.

Embed from Getty Images

إغلاق المطار في وجه اليمنيين وفتحه للأجانب!

بعد تدخل «التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن» بقيادة المملكة العربية السعودية، وإطلاق عملية «عاصفة الحزم» في 25 مارس (أذار) 2015، تم فرض منطقة حظر جوي وبحري على جميع أنحاء البلاد، تبعه بعد ذلك شن طائرات التحالف غارات جوية مكثفة استهدفت معسكرات ومقرات ومستودعات تابعة للحوثيين وللجيش الموالي للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وطالت الغارات مطار صنعاء الدولي والمطار العسكري المجاور له «قاعدة الديلمي الجوية»، وأيضًا جميع المطارات الأخرى التي كانت تقع ضمن نفوذ الحوثيين، ما أدى لتعطيلها وخروج معظمها عن الخدمة بشكل نهائي.

قصتنا هي مطار صنعاء، والغريب أنه ما زال يعمل بشكل جيد، حيث تهبط على مدرجاته بشكل شبه يومي طائرات تابعة للأمم المتحدة فقط، وتنزل فيه المساعدات الغذائية والطبية وأيضًا لمغادرة واستقبال موظفي منظمات الأمم المتحدة والإغاثة فقط، وما دون ذلك غير مسموح لأي طائرة بالهبوط فيه، بأمر من التحالف العربي.

هذا الأمر أصاب اليمنيين بالحنق الشديد والغضب، حسب رأي بعض الأشخاص الذين تواصل «ساسة بوست» معهم، فكيف يتم إغلاقه في وجههم وفتحه للآخرين، حتى أنهم أطلقوا عليه بشكل ساخر «مطار الأمم المتحدة الدولي»، مطالبين بفتحه في وجه المرضى على أقل تقدير حتى يتسنى لهم السفر بسهولة دون عناء السفر برًّا إلى عدن.

إغلاق المطار فاقم مأساة اليمنيين في مناطق الحوثيين بشكل كبير جدًا، وجعل سفرهم خارج البلاد يمر في تعقيدات كثيرة، والعكس أيضًا صعب للغاية لمن أراد العودة إلى بيته، هذه التعقيدات تشمل الجميع (المريض والطالب والعامل)، وبات السفر خارج البلاد والعودة إليها أحد مآسي اليمنيين الكثيرة.

Embed from Getty Images

إذلال ورشاوى وطرق وعرة.. رحلة العذاب

توجهنا في «ساسة بوست» إلى مشفى المواساة في العاصمة الأردنية عمان، والذي يوجد فيه قسم تابع لمنظمة أطباء بلا حدود، وذلك للنظر في أوضاع اليمنيين في هذا المشفى الذي يستقبل الكثير منهم بينهم الصنعاني والعدني والذماري والتعزي والمحويتي وأفكارهم وولاءاتهم مختلفة، ففيه تشاهد مأساة اليمن المصغرة، فذلك بترت قدمه وآخر فُقئت عينه، ورجل كبير في السن لا يكاد يقوى على الحديث من أمراض قلبه وصدره، وذاك ذاب وجهه وجسده بفعل حريق ما، تعرفهم من لباسهم ولهجتهم اليمنية المميزة، تحدثنا إليهم وسمعنا أوجاعهم وآهاتهم وحتى أمانيهم.

حدثنا الشاب محمد الآنسي المرافق لوالده (69 عامًا) في رحلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مدينة عدن، يقول «أصيب والدي قبل ثلاثة أشهر جراء حادث بسيارته وأصيب جرائها عدة إصابات في جسمه كان أقساها قدمه اليمنى والتي تعرضت عظامها لتفتت شديد، وتطورت الأمور ما أدى لتجمع السوائل في جسمه وانتفاخه بسبب ضعف في عضلة القلب، ونصحني الأطباء بالذهاب إلى الأردن أو مصر لعلاجه، لأن الوضع الطبي في اليمن غير جيد».

Embed from Getty Images

يضيف «توجهت إلى السفارة الأردنية في صنعاء وتقدمت بطلب التأشيرة، وأخذتها بعد يومين، وبدأت بعدها مباشرة التجهيز للسفر، وتواصلت مع أحد أصدقائي في الأردن ليرتب لي حجز سرير في مشفى المواساة، وخرجت بوالدي في رحلة استمرت 24 ساعة، أنهك فيها بشكل كبير جدًا، فقد كانت الطرقات وعرة جدًا حتى على البهائم ومليئة بالحفر والمطبات التي زادت أوجاعه، وهذه كانت بكفة وحواجز الحوثيين والحكومة الشرعية بكفة أخرى، فلقد مررنا بأكثر من 30 حاجزًا على الطريق تعرضنا فيها للإهانة والإذلال من قبل الطرفين وفي كل مرة يطلبوا أوراق السفر والتذاكر والوثائق، ولم يحترموا سن والدي ولا مرضه».

يتابع «تم تفتيش السيارة خلال الرحلة 15 مرة، أعطيت رشاوى لأكثر من حاجز حتى يسمحوا لي بالعبور سريعًا، عند أحدها أجبروني على إنزال والدي الذي كان متمددًا في الكرسي الخلفي وهذه كانت عندما دخلنا مناطق (الحكومة الشرعية)، حيث تعاملوا معنا باعتبارنا أعداء ولسنا يمنيين مثلهم، وعندما وصلنا إلى مطار عدن بعد رحلة شاقة، كان الوضع كارثي فعلا، الكثير من اليمنيين مثل والدي في انتظار الطائرة التي تأخر إقلاعها عن الموعد المحدد لها قرابة الخمسة ساعات، كان أكثر من نصف المسافرين هم من المرضى الذاهبين للعلاج».

أما عامر الدميني الذي صاحب والده وأختيه في رحلة وصفها بالعذاب يقول: «خرجنا من صنعاء باتجاه مطار عدن ومنها إلى الأردن لعمل عملية جراحية لوالدي ولعمل فحوصات طبية لأختَي، استغرقت رحلتنا في الطريق أكثر من 35 ساعة، لم ننم خلالها أبدًا، وفقد والدي الوعي مرتين في الطريق من شدة التعب والإرهاق، ولا أعلم ما هي الفائدة المرجوة من إغلاق مطار صنعاء الذي يفتح لطائرات الأمم المتحدة الإغاثية ويغلق في وجهنا نحن الذين بأمس الحاجة إلى الغوث».

رحلة العودة.. العذاب لم ينته بعد

في الحقيقة حاول «ساسة بوست» أن يأخذ روايات كاملة من اليمنيين في مشفى المواساة في الأردن، إلا أن غالبهم كانوا يرفضون ذلك بأدب، وكان جوابهم بالطلب من الله رفع الغم والهم وإنزال الفرج، وكانت مشاهدة اليمنيين كافية لمعرفة الألم الكبير الذي عاشوه في رحلتهم للوصول إلى الأردن.

قال أسامة الكبسي لنا «أنا عائد إلى صنعاء بعد أسبوع تقريبًا، وقد بعت قطعتي أرض وسيارة لي في اليمن من أجل توفير تكاليف السفر والسكن والعلاج، ومع ذلك اشعر بالراحة كثيرًا وأنتظر بفارغ الصبر العودة إلى بيتي، ولكن ما يقلقني حقًا هو طريق عودتي من عدن إلى صنعاء الذي كلما أتذكره أصاب بالصداع والتعب».

أما محمد الشرعبي التعزي الأصل الصنعاني المولد والنشأة، الذي ذهب إلى الأردن وعاد إلى اليمن بعد أن قام بعملية جراحية ليده، يقول لـ«ساسة بوست»: «الطريق الذي سلكته من صنعاء إلى عدن والعكس، كان صعبًا للغاية، لا أتحدث هنا عن وعورة الطريق والحفر الكثيرة والتعب الذي ذقناه، بل أتحدث عن معاملة الحواجز المنتشرة على طول الطريق، فأنت بنظرهم متهم وعميل وخائن وتتعامل مع الطرف الآخر، عندما كنت أمر من حواجز الحوثيين كنت بنظرهم التعزي (من مدينة تعز) العميل، وعندما مررت بحواجز الحكومة الشرعية كنت بنظرهم الخائن».

يروي الشرعبي عودته إلى صنعاء كيف قام أحد عناصر الحوثيين في مدينة ذمار بإنزاله من الباص، وتفتيشه وحقيبته الوحيدة وسرقة 200 دولار كانت آخر ما يملكه من رحلته العلاجية، يقول: «لو كان مطار صنعاء يعمل ما تعرضت لمثل هذه المواقف، ولما تكلفت عناء سفرين مكلفين ومذلين».

«لأن أحدهم قرر حرمان اليمن من البحث عن الحياة»

سمح التحالف العربي بقيادة السعودية في فبراير (شباط) 2020 لطائرة واحدة فقط تحمل 16 مريضًا معظمهم من النساء والأطفال، يعانون من أمراض كالسرطان أو يحتاجون لزراعة أعضاء وجراحة ترميمية، بالمغادرة من مطار صنعاء الدولي إلى العاصمة الأردنية عمان، وتلقوا العلاج اللازم لهم، وعادوا في شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2020، وكانت هذه هي المرة الأولى بعد إغلاق المطار منذ 2015 والأخيرة إلى الآن.

Embed from Getty Images

وفي 16 أكتوبر، اتفقت الحكومة الشرعية والحوثيين على عملية تبادل للأسرى، إذ وصلت طائرة خاصة تابعة للصليب الأحمر الدولي إلى مطار عدن، لنقل أسرى من مليشيات الحوثي إلى مطار صنعاء، والعكس أيضًا يتم نقل أسرى من الحكومة الشرعية من مطار صنعاء إلى مطار عدن، وهنا يطرح من استطلعنا آراءهم السؤال عن لماذا الانتقائية ولماذا يغلق المطار أصلًا إذا كان في الإمكان فتحه أمام الطائرات؟

من جانبها ذكرت وزارة الصحة التابعة للحوثيين في تصريحات صحفية عام 2019 أن أكثر من 43 ألف مريض توفوا جراء عدم تمكنهم من السفر لتلقي العلاج في الخارج بينهم 28 ألف من مرضى السرطان، وقال المتحدث باسم وزارة الصحة «الحوثية» الدكتور يوسف الحاضري أن أكثر من 320 ألف حالة مرضية لم تتمكن من السفر لتلقي العلاج بسبب الحصار وإغلاق مطار صنعاء.

كان القطاع الطبي في اليمن قبل 2011 بالمقارنة بمحيطه، يعد سيئًا للغاية، وكان الكثير من اليمنيين يسافرون لتلقي العلاج في الأردن ومصر وألمانيا حتى قبل الحرب، والآن وبعد أن وصل القطاع الطبي في البلاد إلى ما دون الحضيض، يموت الآلاف بسبب ذلك، ويموت غيرهم ممن لا يستطيعون تأمين ثمن العلاج خارج اليمن، ويموت آخرون على طريق الموت بين صنعاء وعدن، لأن أحدهم قرر حرمانهم من البحث عن الحياة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد