من بين كُل الرجال الذي يُحيطون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في القصر؛ يبرز اسم يفغيني بريغوجين، الذي تحول بشكل غير رسمي، على مدار السنوات القليلة الماضية إلى أحد أهمّ مستشاري الرئيس؛ بعدما تعزّزت الثقة الثنائية بينهما، وبات الذراع الرئيسية، لبوتين في تنفيذ مهام شديدة الخطورة داخل وخارج البلاد.

بدأت صلة هذا الرجل بالرئيس الروسي بصفته مسؤولًا عن توريد الطعام لموائد بوتين؛ ليُصبح بعد ذلك مسؤولًا عن تنفيذ «المهام القذرة»، حسبما وصفته صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية، وهو الأمر الذي أدّي بدوره إلى فرض عقوبات عليه من جانب وزارة الخزانة الأمريكية.

لكن المهمّة الأحدث والأخطر للرجل ولشركته الأمنية كانت هذه المرّة في المنطقة العربية، وتحديدًا في بلد يشهد حاليًّا احتجاجات قويّة ضد السلطة: السودان؛ إذ أوفد الرجل مرتزقة روسيين لدعم الرئيس السوداني في قمعه للاحتجاجات، وتقديم الدعم والتدريب العملي لقوات الأمن والاستخبارات في السودان.

يرسم التقرير التالي صورة شاملة عن أبرز مهام الرجل، والمحطات التي ساهمت في تعزيز العلاقة الثنائية بينه وبين الرئيس الروسي، ليتحول إلى ظل بوتين في الداخل والخارج.

بريغوجين.. رجل «الكرملين» للمهام المشبوهة

هو رجل مستعد للقيام بأعمال بوتين القذرة

ترسم مُفردات الجملة السابقة، التي وصفت بها صحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية مهامَ رجل الأعمال الروسي بريغوجين؛ لمحة عن الرجل الذي يتمتع بصلات نافذة مع الرئيس الروسي، كانت كفيلة لتعزيز ثقة بوتين فيه لتحوّله خلال سنوات معدودة من كونه مجرّد متعهد مطابخ للجيش الروسي، ومورّدًا للطعام لموائد الرئيس الروسي إلى شخص يُنجز مهام شديدة الخطورة والسريّة بشكل غير رسمي، دون أن يكون له وظيفة رسميّة داخل الكرملين.

Embed from Getty Images

يفغيني بريغوجين

كان بريغوجين، مثل مئات غيره من أصحاب محلاّت الأكل السريع؛ قبل أن تبدأ علاقة خاصة بينه وبين بوتين، عززتها أصولهم الجغرافية الواحدة، فكلاهما ينحدران من مدينة سانت بطرسبرج، وشكّلت نقطة اللقاء في المعرفة المشتركة مع الرئيس الروسي.

بدأت امبراطورية بريغوجين الذي ولد عام 1961 بمطعم في سانت بطرسبورج، إذ كان ذلك عاملًا رئيسيًا في تعرّف الرئيس الروسي إليه؛ قبل أن تنشأ صداقة خاصة بينهما، توطّدت بمرور السنوات، ولعبت أدوار جديدة، خصوصًا بعدما ارتقى بوتين لمنصب الرئيس.

مع صعود بوتين لمنصب الرئيس؛ تحوّل الرجل من كونه مالكًا لمطعم بسانت بطرسبرج يرتاده بوتين، إلى الرجل الذي يستحوذ على العقود الموسّعة مع وزارة الدفاع الروسية والكرملين من أجل توريد الأطعمة لهما؛ ليتحول المطعم إلى إمبراطورية تجارية، تتنوع استثماراتها داخل وخارج روسيا بدعم من أهم رجل في الكرملين.

وأتاحت الثقة الكبيرة التي يضعها بوتين في بريغوجين تحولًا نوعيًا في مهامه وأدواره التي رسمها له الرئيس الروسي؛ ليصبح شخصًا يحوز سلطات مفتوحة وصلاحيات مُطلقة متجاوزة أي منصب رسمي، فهو صديق بوتين الذي يُفضل الرئيس الاحتفال بعيد ميلاده في مطعمه، ويُنفذ المهام التي لا يعلم عنها أحد سوى رجل واحد هو فلاديمير بوتين.

يؤجّر المرتزقة الروس للقتال في العالم العربي

تحوّلت شركة «بي إم سي فاجنر»، أشهر شركة أمنية خاصة روسية، لمتورّط رئيسي في النزاعات المُسلحة بمنطقة الشرق الأوسط، ولأداة بوتين المُفضلة في تعزيز نفوذه العسكري خارج بلاده؛ بعدما سيطرت على كل عقود وزارة الدفاع الروسية؛ لتتولّى مهمة توزيع المرتزقة الروس في هذه الشركات بمناطق النزاع التي تسعى روسيا لتوسيع حضورها فيها.

Embed from Getty Images

الرئيس الروسي بوتين في استعراض عسكري

ويُشكل امتلاك بريغوجين -الرجل الذي يثق فيه ثقة كاملة- للشركة، سببًا واضحًا لتوكيله بهذه المهام الواسعة بديلًا عن الجيش الروسي النظامي، خصوصًا في توزيع مئات المقاتلين في سوريا وشرق أوكرانيا والعديد من الدول الأفريقية، إذ يصف المحلّلون ووسائل الإعلام الغربيّة شركة بريغوجين الأمنية بـ«الجيش الروسي البديل».

ولعل المهمة الأحدث للشركة الأمنية الروسية بحسب وسائل إعلام عالمية كانت في السودان؛ إذ شوهدت قوات روسية تتحرك في شاحنة روسية الصنع باتجاه المتظاهرين في وسط الخرطوم، فيما ذكر مصدر أمني لصحيفة «سودان تريبيون» المحلية، رفض الكشف عن هويته، أن أفرادًا عسكريين من شركة «فاجنر» العسكرية الروسية كانوا يعملون مع أجهزة المخابرات والأمن السودانية، لكنه رفض توضيح طبيعة هذا التعاون.

ماذا يحدث في السودان؟ 5 أسئلة تشرح لك المظاهرات التي تتجاهلها وسائل الإعلام

ويخشى بوتين من الدفع بجنود الجيش الروسي في عمليات القتال المُباشر في النزاعات الخارجية؛ خوفًا من تكلفة سقوط أعداد كبيرة منهم، أو ما قد يترتّب على ذلك من مساءلة برلمانية وغضب شعبي؛ لذلك يستعين دومًا، بشكل غير مُعلن، بالمرتزقة الروس الذين يعملون في شركات أمنية لهذه المهام بمقابل مادي.

ولعبت الشركة الأمنية الأشهر في روسيا، أدوارًا شديدة الأهمية بالنسبة للسلطات الروسية وذلك في أوكرانيا من خلال المُشاركة في عملية سيطرة روسيا عسكريًا على شبه جزيرة القرم الأوكرانية في مارس (آذار) 2014، إلى جانب تعزيز نزعة التمرّد في منطقتيْ دونيتسك ولوهانسك في أوكرانيا لصالح روسيا في الشهر الذي تلاه.

كما شكلت أدوارُها داخل سوريًا نقلة نوعية في مهامها التي أوكلتها لها السلطات الروسية؛ إذ ساعدت المرتزقة الروس الذين يتبعون لشركة «فاجنر» الأمنية قوات الحكومة السورية في استعادة السيطرة على مدينة تدمر من أيدي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، إلى جانب دور آخر لشركة «إيفرو بوليس»، المملوكة أيضًا لصديق بوتين، في حماية حقول النفط السورية مقابل حصة 25% من إنتاج النفط والغاز من تلك الحقول.

وتُضم شركة فاجنر الأمنية حوالي 2500 رجل روسي، يصل راتب الضابط الواحد منهم إلى 5300 دولار شهريًا، وتستخدم قاعدة تدريبية في مولكينو، في منطقة كراسنودار في جنوب روسيا، لتدريب مقاتليه على فنون القتال.

ويُرجّح من أدوار شركة بريغوجين، التي افتتحت مكتبًا لها في العاصمة السورية دمشق، ما ذكرته صحيفة «الواشنطن بوست» الأمريكية، ونسبته لمصادر استخباراتية، قالت إن بريغوجين كان على اتصال وثيق بالكرملين في الفترة التي سبقت الهجوم على قاعدة قوات سوريا الديمقراطية العسكرية في السابع من فبراير (شباط) 2018 في دير الزور التي تقع فيها حقول النفط.

كما شكّلت أنشطة شركة بريغوجين سببًا رئيسيًا لإدراجه من جانب وزارة الخزانة الأمريكية على لائحة العقوبات الأمريكية على خلفية صلاته بالعناصر الانفصالية في شرق أوكرانيا؛ إذ ذكرت وزارة الخزانة الأمريكية في ديسمبر (كانون الأول) 2016، إن بريغوجين لديه «معاملات تجارية واسعة» مع وزارة الدفاع الروسية وكان مرتبطًا ببناء قاعدة عسكرية جديدة بالقرب من أوكرانيا.

أحد هؤلاء المقاتلين الذي جندته الشركة الأمنية للقتال لصالحها في روسيا، بمقابل مادي جيد، هو نيكولاي أفرين -ليس اسمه الحقيقي- الذي عمل قبل الالتحاق جنديًّا مرتزقًا في الشيشان في بداية الألفية، وصرح للـ«بي بي سي»: «إن مرتزقة روس من شركة «بي إم سي فاغنر» الخاصة شاركوا في عمليات منذ بداية عام 2018 في سوريا وشرق أوكرانيا، ثم توجهوا إلى السودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وسيتوجهون قريبا جدًّا لليبيا».

وأضاف: «يمرّ المتطوع الجديد بعدّة مراحل من الفحص تشمل في البداية فحص اللياقة البدنية، ثم يتلقى الفحص الطبي وأغلب حالات الرفض تكون بسبب الالتهاب الكبدي، ثم فحص تعاطي المخدرات»، موضحًا أن: «المتطوع يقوم بكتابة كل التفاصيل الخاصة بأسرته وأصدقائه ومعارفه ومن يجب أن تدفع لهم الشركة التعويض في حالة موته خلال العمل».

المرتزقة الروس في السودان.. شهادات حول أدوار لدعم البشير

امتدت مهام وأدوار هؤلاء المرتزقة إلى السودان، بعدما نشرت صحيفة «التايمز» البريطانية، تقريرًا تحت عنوان «المرتزقة الروس يساعدون في قمع احتجاجات السودان»، ونقل فيها مراسلها شهادات حول رؤية مرتزقة روس في العاصمة السودانية الخرطوم، ما شكل محاولة الكرملين لدعم بقاء نظام عمر البشير.

لكن السفارة الروسية في الخرطوم وصفت المعلومات التي نشرتها صحيفة «التايمز» البريطانية «بالفبركة الإعلامية»، وقال الملحق الإعلامي للسفارة فلاديمير تومسكي لوكالة «سبوتنيك»: «نؤكد بكل مسؤولية أن الخبراء الروس من الهيئات غير الحكومية لا علاقة لهم، كما ذكرت بعض وسائل الإعلام الغربية عديمة الضمير، ولا يشاركون في قمع الاحتجاجات في السودان».

المُهيمن الأول على الإعلام لصالح «القيصر»

لا تقف أدوار بريغوجين عند توظيف شركاته في تحرّكات مشبوهة ضمن نزاعات مًسلحة، يتمحور دورها في توسيع حدود إمبراطورية الرئيس الروسي، بل تمتد مهامه إلى هندسة العملية الدعائية لبوتين والتي شملت صناعة بروباجندا له من خلال السيطرة على وسائل الإعلام المحلية، من أجل تمجيد الرئيس الروسي دومًا، فضلًا عن تقييد عمل وسائل الإعلام الغربية على أراضيها.

Embed from Getty Images

بوتين يخطب في أنصاره بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية لسنة 2018

ويُعتقد بأن بريغوجين يسيطر على أكثر من 12 موقعًا إخباريًا في روسيا، تجذب عشرات الملايين من الزوّار، فضلًا عن دوره في الإشراف على حملات الدعاية لبوتين على مواقع التواصل الاجتماعي، ودعمه ماليًا، وتُقدّر الكلفة السنوية لتشغيل إمبراطوريته الإعلامية بمبلغ يتراوح بين 3.2 إلى 4.7 مليون دولار حسب بعض التقديرات.

وتُلخص معالم هذه الوسائل في تمجيد بوتين، والترويج لإنجازاته داخل وخارج البلاد، كما تُبرز تحسنًا للوضع المعيشي في عهده، وإنتاج أفلام وثائقية تمجد الرئيس بوتين، إلى جانب نشر مواضيع تنتقد الغرب، وتروج لفساد الجيش الأمريكي، وإدمان أفراده للمخدرات، فضلًا عن تراجع روح أفراده المعنوية، مقابل صعود جديد لروسيا على يد بوتين الذي حمى بلاده من المؤامرات الغربية والأمريكية، حسب رواية هذه القنوات.

وقد لعبت واحدة من شركاته الإعلامية، وهي «أفرو بوليس»، والتي يقع مقرها في سانت بطرسبرج، دورًا رئيسيًا كذلك في تأسيس وحدة خاصة معنيّة بالتأثير واستهداف الرأي العام الأمريكي، عبر تأسيس آلاف الحسابات الوهمية على شبكات التواصل الاجتماعي، والذين قدموا أنفسهم بوصفهم مواطنين أمريكيين على منصات التواصل الاجتماعي، لقيادة حملات تشويه عبر نشر محتوى يستهدف التأثير على الناخب الأمريكي من أجل دعم وصول ترامب للسلطة.

لم تقف أدوار صديق بوتين عند دفع شركته لتأسيس حسابات وهمية فقط، بل كانت الشركة معنية كذلك بالتواصل مع مسؤولين كبار في حملة الرئيس وأشخاص من داخل دائرته الضيقة، للتنسيق معهم في إدارة هذه الحملات على مواقع التواصل الاجتماعي، ومعرفة أنماط التأثير المرغوبة من جانبهم، والولايات المعنية بالتأثير عليها.

30 عامًا في الحكم.. لماذا تفشل المعارضة السودانية دومًا في هزيمة البشير؟

من ضمن مواقع التواصل والمنصات التي استخدمتها شركة الصديق الشخصي للرئيس لروسي لنشر الدعاية السلبية كُل من «يوتيوب» و«تمبلر» و«إنستجرام» فضلًا عن «الفيسبوك» و«تويتر»، كما امتدت أدواره في تمويل شركته للإعلانات التي تدخلت بالانتخابات، ومن ضمنها عقد تمويل وكالة أبحاث الإنترنت، وطرق مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي ومحركات البحث والترويج الآلي، وتُفيد وثيقة حصل عليها موقع «سي إن إن» الأمريكية أن لدى الشركة قسمًا اسمه «قسم الاستفزازات» مختص بنشر الأخبار الزائفة والخلافات الاجتماعية التي تثير الانقسامات في الغرب، وكيفية اختلاق الأخبار لتحقيق الأهداف التي تحددها، وتقول أيضًا إن الشركة اختفت بعد انتخابات 2016.

ولعل ذلك يُفسر ورود اسمه من بين 13 مواطنًا روسيًا في لائحة المُحقّق الخاص مولر حول التدخّل في الانتخابات الأمريكية، إذ تضمّن اتهام المُحقق الأمريكي له التآمر للاحتيال على الولايات المتحدة والتدخل في الانتخابات الرئاسية الأخيرة وتركيز نشاطهم في ولايات كانت متذبذبة بين ترامب والمُرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون.

وأشارت وثائق اطّلع عليها مُحرر شبكة «سي إن إن» الأمريكية، أن رجل الأعمال الروسي كان يدفع نحو مليون دولار شهريًا لأجل هذه المهمة، مُقسّمة بين أقسام تضمن عمليات باللغة الروسية، واستخدام وسائل الاعلام الاجتماعية باللغة الإنجليزية.

وقد استنتج التقييم السري من قبل الاستخبارات الأمريكية الذي نُشر في يناير (كانون الثاني) 2017، أن المموّل المُرجح لشركة «وكالة أبحاث الإنترنت» هو حليف مُقرب من بوتين لديه صلة بالاستخبارات الروسية، في إشارة إلى بريغوجين، كما وصفت هذه الشركة بأنها «لجان إلكترونية لتوجيه الرأي العام» ذات صلة بالحكومة الروسية.

«إيفانكا الروسيّة».. هل يخطّط القيصر الروسي لـ«توريث» عرش روسيا لابنته؟

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد