أعادت تصريحات كريستوفر روس، السفير الأمريكي السابق ومبعوث الأمم المتحدة للصحراء الغربية وحتى عام 2017، حول سعي المغرب إلى الترويج لاتفاق التطبيع مع إسرائيل في حسم قضية الصحراء لصالحه، إلقاء الضوء على دور حاخام اليهودي يوشياهو بينتو في إنجاح صفقة التطبيع بين المغرب وإسرائيل، الذي اعترفت بموجبه الولايات المتحدة لأوّل مرة بمغربية الصحراء المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو، في ديسمبر (كانون الأوّل) 2020 قبل أسابيع قليلة من مغادرة الرئيس ترامب للبيت الأبيض.

وكان اسم الحاخام الإسرائيلي ذي الأصول المغربية، المثير للجدل يوشياهو بينتو قد جرى تداوله مرشّحًا لمنصب الحاخام الأكبر لليهود المغاربة إثر تنصيبه من طرف الملك محمد السادس على رأس مؤسستيْن يهوديّتين، وهو ما أثار غضب طائفة اليهود المغاربة بسبب سجّل يوشياهو بينتو الذي حوى قضايا غير أخلاقية، إذ كان قد قضى سنة في السجن بسبب تورّطه في قضية رشوة، فمن هو يوشياهو بينتو، وما هو دور عائلته في إنجاح «صفقة التطبيع» بين المغرب وإسرائيل والولايات المتحدة؟

يوشياهو بينتو.. اختلاسات مالية وفضائح لـ«حاخام المشاهير»

ولد يوشياهو بينتو سنة 1973 في إسرائيل، وهو من اليهود السفرديم من أصول مغربية، وينحدر من عائلة معروفة بالمكانة الدينية في المجتمع اليهودي المغربي، إذ إن جده من جانب الأب هو الحاخام الشهير حييم بينتو الذي يحظى بمكانة لدى يهود البلاد، وتحوّل قبره في المغرب إلى مزار سنويّ لأبناء الطائفة اليهودية، وقد توفي بمدينة الصويرة سنة 1845، أما من جانب الأم، فهو حفيد الحاخام يسرائيل أبو حصيرة الذي وُلد في إسرائيل سنة 1889، ثم انتقل إلى منطقة تافليلات المغربية حيث استقرّ ومارس نشاطه الديني هناك.

الحاخام الإسرائيلي يوشياهو بينتو

ويقود يوشياهو بينتو جمعية دينية يهودية تُدعى «موسود شوفا» تنشط في كلّ من تل أبيب ونيويورك؛ كما يملك علاقات متشعّبة مع رجال السياسة والأعمال ومشاهير الرياضة، بفضل الهالة المحاطة به باعتباره «مُرشدًا روحيًا»، بالإضافة إلى علاقته بأثرياء اليهود، وهو ما يجعله ذا أهميّة عالية بالنسبة للسياسيين الذين تقرّبوا منه من أجل الحصول على مئات الآلاف من الدولارات لحملاتهم الانتخابية.

الظهور الإعلامي النادر ليوشياهو بنيتو والهالة الدينية المحيطة بعائلته، رسم صورة غرائبية حوله باعتباره شخصيّة غامضة قادرة على «تحقيق المعجزات» لصالح أتباعه، وهو ما سمح له بإقامة علاقات متشعّبة في مدينة نيويورك في الولايات المتحدة التي انتقل إليها في سنة 2008، تبدأ من السياسيين ورجال الأعمال الأثرياء، وليس انتهاءً بمشاهير الرياضة، ونجوم كرة القدم والسلّة.

فقد نقلت عدة صحف أمريكية عام 2010 أن أكبر نجوم كرة السلة الأمريكية وأعلاهم دخلًا، لوبرون جيمس قام بتوظيف يوشياهو بينتو مرشدًا روحيًا لمساعدته في مسيرته الرياضية مقابل تبرّعات لجمعية يوشياهو، وهو ما أثار فضول الصحافة حول هذا الاختيار، خصوصًا أن لوبرون جيمس ليس يهوديًا.

و يشارك يوشياهو بينتو في الحملات الانتخابية لمرشّحي الكونجرس الأمريكي ويحضّ أتباعه على التبرّع لمعارفه من السياسيّين، كما كان يملك علاقات مع عضو الكونجرس السابق آنثوني وينر من ولاية نيويورك، زوج هوما عبدين، المساعدة الشخصية لوزيرة الخارجية السابقة والمرشّحة الرئاسية هيلاري كلينتون، وقد ساعد وينر على جمع أكثر من 340 ألف دولار في حملته الانتخابية.

لكن حملات تمويل السياسيين لم تكون بدون عواقب، فقد ارتبط اسمه بفضيحة متعلّقة بمخالفات في تمويل بعض الحملات الانتخابية، حين جرت إدانة عضو الكونجرس عن الحزب الجمهوري مايكل جريم بالتهرب الضريبي ومخالفات ماليّة أخرى خلال تمويل حملته الانتخابية، وقد كان نصف المبلغ الذي أُدين بسببه عضو الكونجرس قادمًا من الحاخام يوشياهو بينتو وأتباعه؛ وهو ما وضع بينتو تحت عدسة «مكتب التحقيقات الفيدرالي (الإف بي آي)».

وفي تصريح صحافي لموقع «تالكو» المغربي، أفاد يوشياهو بينتو إلى أن «المال لا يمثّل أيّة أهمية بالنسبة له»، لكن ذلك لم يمنعه من أن يكون أحد أثرى حاخامات العالم؛ إذ تصنّف مجلّة «فوربس» يوشياهو بينتو في المرتبة السابعة كأغنى حاخام إسرائيلي بثروة تقدّر بـ21 مليون دولار أمريكي.

يهود المغرب يرفضون تقلّد بينتو منصب «الحاخام الأكبر»

جرى تعيين يوشياهو بينتو في أبريل (نيسان) سنة 2019 في منصبيْن مهمّين بالنسبة للمجتمع اليهودي المغربي: «بيت دين اليهود المغاربة» (المحكمة الحاخامية العليا) ومركز الدراسات التلمودية، المؤسستان المسؤولتان عن التنسيق بين النظام القضائي المغربي والدوائر الحاخامية؛ ممّا أثار تساؤلات حول احتماليّة تنصيبه في منصب الحاخام الأكبر للمغاربة اليهود، خصوصًا أن المنصب بقي شاغرًا منذ وفاة الحاخام السابق أهارون مونسينيغو في سنة 2018.

وأثار الحديث عن تعيينه اعتراضات كبيرة لدى الطائفة اليهودية المغربية التي رفعت عريضة احتجاج للملك المغربي، إلا أن يوشياهو بينتو تجاهل كل ذلك وافتتح مدرسة «هالاخاه» لتدريس الشريعة اليهودية بكنيس «بيت إيل» بالدار البيضاء، لتنضم إلى سلسلة مدارسه التي افتتحها حول العالم في كل من فرنسا، وكندا، والولايات المتحدة، وإسرائيل.

تورّط يوشياهو يوسف بينتو في العديد من الفضائح المالية والأخلاقية

أحد اعتراضات اليهود المغاربة على تعيين يوشياهو بينتو في أعلى منصب ديني للطائفة اليهودية ليس مرتبطًا بالجانب السياسي فحسب، بل أيضًا بسبب تاريخه المليء بالسقطات الأخلاقية التي تشي بأنّه ليس متدينًا فعلًا.

ففي سنة 2005 ارتبط اسم يوشياهو بينتو بفضيحة خاصة بشركة تقوم بقرصنة أشرطة أفلام إباحية وبيعها، والتي يملكها زيون سوكي، أقرب مقرّبي بينتو ومساعده ومترجمه الشخصي؛ وهو ما جعل الشبهات تحوم حول احتمالية تورّطه في نشاط الشركة التي يملكها مساعده أو على الأقل معرفته بها، وبالإضافة إلى ذلك حاول بينتو «إقناع» ضابط شرطة نيويورك باعتقال أحد منافسي مساعده الشخصي سوكي في ميدان الأعمال، وقاما بتهديده بالاعتقال وتلفيق تُهم من شأنها أن تضعه خلف قضبان السجن.

وجرى إدانة يوشياهو بينتو من طرف القضاء العبري بتهمة محاولة رشوة ضابط شرطة بمبلغ 200 ألف دولار، مقابل إعطائه معلومات حول التحقيق الجاري في حقّه بتهمة تبييض أموال والتمويل غير المشروع، وذلك في سياق حملة للتدقيق في مصادر تمويل المدارس الدينية التي أطلقتها إسرائيل في سنة 2012.

وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية بأن يوشياهو بينتو متهم بجمع معلومات حول ضبّاط شرطة رفيعي الرُتب، وطلب نقل بعضهم من مناصبهم، وتهديد شهود في القضية وعرض مبالغ طائلة لرشوة الشرطة؛ وبسبب هذه الاتهامات جرى وضعه خلف قضبان السجن سنة كاملة وغرامة تقدّر بمليون شيكل، وقد خرج من السجن في فبراير (شباط) 2017، ليصبح مرشحًا لمنصب كبير خامات المغرب.

وقد اعترض مجموعة من اليهود المغاربة على أنباء تعيينه حاخامًا أكبر لليهود في المغرب، إذ إن يوشياهو بينتو الذي يعيش بين قصره في إسرائيل وأملاكه في نيويورك ليس له علاقة بقضايا اليهود المغاربة وظروفهم المعيشيّة رغم جذوره العائلية التي ترجع إلى عائلة بينتو اليهودية بالمغرب.

ولا يعرف يوشياهو بينتو لغة البلاد، فهو لا يتحدّث العربية ولا الدارجة المغربية أو الفرنسية، بل فقط العبرية؛ مما يشكّل عائقًا في التواصل بين أبناء طائفته في المغرب، فضلًا عن مشاكله الصحية العديدة، والمشاكل القضائية التي تورّط فيها في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل التي قضى سنة فيها خلف قضبان السجن.

وقد طالبت الطائفة اليهودية بتعيين القاضي يوسف إسرائيل في منصب الحاخام الأكبر بالمغرب، خلفًا لأهارون مونسينيجو الذي شغل ذات المنصب وحتى وفاته في أغسطس (أب) 2018؛ ورفع اليهود المغاربة عريضة جماعية إلى ملك المغرب يطالبونه باختيار يوسف إسرائيل، باعتبار أن القوانين والتقاليد تفرض أن يكون الحاخام الأكبر مستقرًا بالمغرب وخبيرًا بظروف الطائفة اليهودية وأن يكون قاضيًا؛ وأضافت العريضة بأنّ يوسف إسرائيل «سمعة نزاهته تسبقه بين إخواننا في الدين وبين إخواننا المسلمين المغاربة».

ما علاقة آل بينتو بصفقة التطبيع؟

سافر يوشياهو بينتو إلى أرض أجداده بالمغرب في سنة 2017 إثر خروجه من السجن في إسرائيل واستقرّ هناك، وكانت سنة 2019 هي النقلة النوعية في علاقته بالقصر الملكي، إذ شهدت هذه السنة، زيارة تاريخية لمستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر إلى المغرب، رافقه خلالها الحاخام ديفيد بينتو عمّ يوشياهو، وذلك من أجل عرض تفاصيل «صفقة القرن» على العاهل المغربي وإقناعه بالمشاركة في «ورشة المنامة» التي كانت تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية من خلال إجراءات اقتصادية.

Embed from Getty Images

مستشار ترامب جاريد كوشنر خلال زيارته للمغرب لتوقيع اتفاقية التطبيع في 2020

وفي خضمّ الزيارة، اتجه كل من كوشنر وديفيد بينتو إلى المقبرة اليهودية في الدار البيضاء، إذ زارا قبر الحاخام الجد حاييم بينتو، واعتبر كوشنر هذه الزيارة بمثابة «حلمه الذي تحقّق»، أما بينتو فقد همس لوزير الشؤون الأفريقية المغربي محسن الجزولي قائلًا: «هذا جاريد مثل ولدي»، في دلالة على حجم العلاقة التي تربط آل بينتو مع جاريد كوشنر، مهندس صفقة التطبيع مقابل الاعتراف بالصحراء الغربية التي جرت في ديسمبر (كانون الأول) 2020.

كانت العلاقة التي تجمع اليهودي جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ومستشاره في الشرق الأوسط، بالحاخام ديفيد شانانيا بينتو، عمّ الحاخام يوشياهو بينتو؛ أحد العوامل التي لعبت دورًا مهمًا خلف الكواليس في إنجاح صفقة التطبيع بين المغرب وإسرائيل مقابل اعتراف الولايات المتحدة بمغربية إقليم الصحراء المتنازع عليها مع «جبهة البوليساريو».

فعلاقة عائلة بينتو بكلّ من القصر الملك المغربي، وبالساسة، ورجال الأعمال في نيويورك، سمح لها بأن تلعب أدوارًا سياسية لصالح إسرائيل، مستغلة مكانتها الدينية وعلاقاتها المتشعّبة في عالم المال والسياسة.

المصادر

تحميل المزيد