يُقال إن الرواية -أية رواية- إنما تحكي عن كاتبها في المقام الأول. *الكاتب الأمريكي جون شتاينبك في رسالته إلى وكيلته الأدبية إليزابيث أوتيس

لا شك أننا كلنا ندين للأقدار -أو ما يسميه البعض بالصدف- بقدرٍ كبيرٍ من النجاح أو الإخفاق في الحياة، وقد كان لتلك الحادثة التي وقعت للكاتب الكبير جون شتاينبك أكبر الأثر في حياته الأدبية؛ إذ دفعته ليكتب واحدة من أفضل رواياته، والتي حاز بفضلها أرفع جائزة تُعطى للأدباء: جائزة نوبل.

وتتلخَّص الحكاية في أن شتاينبك قد فتح المذياع في إحدى الأمسيات ليجده يعرض بالصدفة مقابلة مع أحد النقاد، وكان هو محور المناقشة. وحين سُئل الناقد عن رأيه فيه، رد في استغراب متسائلًا: «أين هو جون شتاينبك؟! أعتقد أنه انتهى منذ الثلاثينات».

وعلى قدر ما كان الرد صادمًا للكاتب، إلا أنه كان صادقًا في الوقت ذاته؛ فهو فعلًا لم يكن قد كتب أي عمل أدبي ذي قيمة منذ روايته الأشهر «عناقيد الغضب»، والتي حاز عنها جائزة «البوليتزر»، وتفرَّغ بعدها لكتابة المقالات الصحافية. وهنا قرر شتاينبك أن يُثبت للجميع -قراءً ونقادًا- أنه لم ينتهِ بعد، وأنه لا يزال قادرًا على الكتابة والإبداع؛ فعكف على كتابة رواية «شتاء الأحزان»، وهي آخر أعماله الروائية التي حققت نجاحًا كبيرًا، وأثبتت أنه لم ينتهِ أدبيًّا، بل وخصَّتها لجنة جائزة نوبل بالذكر عند منحه الجائزة، ويعتبر النقاد هذه الرواية من أفضل أعمال شتاينبك الأدبية، إن لم تكن أفضلها.

حكت تلك الرواية حكاية كاتبها من خلال حكاية بطلها، إيثان آلان هاولي، إذ إن رحلة بطل الرواية من النبل والتمسُّك بالمبادئ إلى التخلي التام عنها، والتماشي مع واقع المجتمع -حتى وإن كان فاسدًا- تشبه إلى حدٍ كبير رحلة الكاتب نفسه من مثقف راديكالي ثائر على الفساد في مجتمعه إلى شخصٍ يسعي لتحقيق أكبر قدر من النجاح والشهرة حتى وإن كان هذا على حساب مبادئه القديمة التي طالما دافع عنها في ما مضى.

Embed from Getty Images

الأديب الأمريكي جون شتاينبك

هذا الكاتب الذي كان مولعًا إلى حد كبير بأساطير الفرسان النبلاء، ويرى أن التمثُّل بأخلاق هؤلاء الفرسان وأفعالهم هو السبيل الوحيد للنهوض بالمجتمعات، قد شهد تحطم الفكرة التي لطالما آمن بها على صخرة الصَّلف والعجرفة والفساد الذي ساد وطنه أمريكا في فترة الحرب الباردة.

وهكذا نقل الكاتب، من خلال شخصية بطله إيثان آلان هاولي، حيرته الشديدة وتساؤله الجَدِّي حول جدوى التمسُّك بالنبل والمبادئ في فترات الانهيار الاجتماعي والأخلاقي، حين تبيع معظم الناس مبادئها بأبخس الأثمان، وهل يُعد التمسك بالنبل حينها نوعًا من الغباء، في حين أنك من الممكن أن تحقق مكاسب جمة إن أصبحت وغدًا مثل الأوغاد الآخرين من حولك؟

مترجم: جون شتاينبك يكتب عن الحُب

كيف تُخرج أوقات المحن أسوأ ما فينا؟

أما أنا، أنا الذي خُلق على عجل، أنا المشوه المنقوص، الذي أُرسل قبل الأوان إلى هذا العالم النابض بالحياة ولما يكد يتم خلقه، فلا أجد في هذا الوقت، وقت السلم، شيئًا من المتعة أتسلى به؛ إلا أن أختلس النظر إلى ظلي في ضوء الشمس، وأتغنى بخلقتي الشائبة. فلأكن إذًا شريرًا ما دمت لا أصلح للحب. *وليام شكسبير من مسرحية «ريتشارد الثالث»

من مسرحية «ريتشارد الثالث» لشكسبير استلهم جون شتاينبك اسم روايته التي تحكي قصة إيثان آلان هاولي، سليل العائلة النبيلة من صيادي الحيتان، التي فقدت كل ثروتها من جراء احتراق أسطولها في حادثة يُعتقد أنها مدبرة من شركائها، لينتهي الحال بسليل هذه الأسرة العريقة بأن يعمل في محل بقالة كان من ممتلكات عائلته في ما مضى.

يوميًّا يتعرض إيثان للسخرية من معارفه القدامى الذين دائمًا ما يذكرونه بماضي أجداده، ويتعجبون من مآل سليل هذه العائلة العريقة، أما في المنزل فزوجته الجميلة وأولاده لا ينفكون عن مطالبته بأن يصير غنيًا، ويجرحون مشاعره حين يقارنون بين وضعهم المادي ووضع أقرانهم، الأمر الذي يشعره بأسى بالغ لأنه يتعرض للتوبيخ يوميًّا على شيء ليس له يد فيه، فما ذنبه في الحادث المأساوي الذي حدث لعائلته وجعل منه رجلًا فقيرًا، ولكنه ذو ماضٍ عريق.

وعلى الرغم من أن إيثان قد قاوم كثيرًا إلحاح زوجته وأبنائه، وكذلك سخرية المحيطين واستخفافهم به، وظل متمسكًا بنزاهته وإخلاصه حين نصحه أحدهم بأن يغش في حسابات محل البقالة -الذي يمسك إدارته ويمتلكه مهاجر من أصل إيطالي يدعى مارلو- وكان دائمًا ما يرفض رشاوى من أي نوع تعرض عليه، إلا أنه في لحظة ما قد قرر أن يدخل معركة الحياة؛ فخلع عنه درع النبل والأخلاق وقرر أن يخوض معركة إثبات نفسه واستعادة مجد عائلته.

في البداية وضع إيثان خطة محكمة لسرقة البنك المجاور لمحل البقالة، وخطط بعناية لإقناع مارلو -الذي كان يثق فيه بشدة- بالسفر إلى إيطاليا كي يرى عائلته وإخوته الذين فارقهم منذ سنوات كثيرة، ثم يبلغ السلطات عنه ويمنع عودته إلى أمريكا؛ لأنه علم منه أنه جاء لأمريكا مهاجرًا غير شرعي، ولا يملك أوراق إقامة سليمة قانونيًّا.

غلاف رواية «شتاء الأحزان» *المصدر

أما أسوأ ما في الأمر؛ فكان تخطيط إيثان لدفع صديقه الوحيد ورفيق طفولته داني تايلور إلى الانتحار؛ لأن داني، ذلك السكير الذي ترك الكلية الحربية وحطم آمال والديه، كان يمتلك الأرض الوحيدة في المدينة الصالحة لإقامة مطار، والتي تريدها الحكومة بأي ثمن.

لقد رفض داني أن يبيع أرضه لأنه يعرف أنه جزء منها، وتخليه عنها يعني تخليه عن نفسه، أو ما بقي من نفسه القديمة. ولأن السيد بيكر، مدير البنك، قد وضع عينه على أرض داني وصمم على أخذها منه بالقوة مقابل أن يودعه في إحدى دور الرعاية والإنفاق عليه؛ فقد قرر إيثان أن ينتهز تلك الفرصة، وعرض على صديق عمره مبلغ ألف دولار بحجة أنه يريد معالجته من الإدمان، وإن كان في قرارة نفسه يعلم أن صديقه التعس سيشتري بالنقود كلها خمر ويسرف في شربها؛ مما قد يؤدي إلى وفاته.

والآن قد حصل إيثان آلان هاولي على كل شيء، وأعاد ثروة عائلته واكتسب مكانة اجتماعية مرموقة بصفته مالك المحل الذي يعمل به -وهبه إياه مارلو بعد ما علم باستحالة رجوعه إلى أمريكا نظير وفائه وإخلاصه في العمل وهو لا يعلم أنه هو من أبلغ عنه!- والأهم من ذلك أنه أصبح مالك الأرض الوحيدة التي تصلح لإقامة مطار بعد أن كتب له صديقه داني تايلور-قبل أن يموت نتيجة الإسراف في شرب الخمر- مبايعة للأرض مقابل الألف دولار.

امتلك إيثان آلان هاولي الثروة والوضع الاجتماعي اللذين كانا يتمناهما، ولكن ماله يشعر بألم عميق في قلبه؟ وشبح داني تايلور وابتسامته الهادئة تطارده في كل مكان؟ برر إيثان لنفسه كل ما فعله بأنه إن لم يدفع صديقه إلى الانتحار فإن السيد بيكر سوف يسجنه في مشفى لمعالجة الإدمان ويسرق أرضه رغمًا عنه، لقد أقنع إيثان نفسه أنه يقدم معروفًا لصديقه؛ لأنه بذلك يحرره من حياة البؤس التي يعيشها. ولكن إن كان قد قدم له معروفًا فعلًا؛ فلمَ يصرخ كل ليلة حين يرى طيفه ويرجوه باكيًا أن يكف عن تعذيبه؟!

وعلى الرغم من كل التوسلات، يأبى طيف داني تايلور أن يختفي، ولا يستطيع إيثان هاولي أن يشعر بطعم للحياة، لقد أصبح هذا الرجل -الذي كان حتى وقت قريب رجلًا صالحًا- يخاف النظر في المرآة؛ لأنه لم يعد يعرف نفسه ولم يعتد أبدًا على الوحش الذي يراه أمامه حين ينظر للمرآة؛ فيقرر أن ينهي حياته ويتخلص للأبد من عذاب ضميره ومن طيف داني الذي يتابعه أينما ذهب، فيحمل في جيبه شفرة حادة ويذهب إلى شاطئ المحيط كي يقطع معصمه بداخل مياه الأطلسي لعلها تستطيع غسل ذنوبه!

مثل القرآن في العربية.. لكي تفهم الأدب الغربي جيدًا اقرأ الإنجيل

يهوذا الإسخريوطي يعود من جديد

وفقًا لرواية الأناجيل القانونية، فإن يهوذا الإسخريوطي هو من وشى بالسيد المسيح وسلمه إلى أعدائه. والمفزع في الأمر هو أن يهوذا كان أحد حواريي المسيح الاثني عشر، وقد باعه بثمن بخس إلى أعضاء مجمع حكماء اليهود الأعظم (سنهدرين)؛ فهو قد سلمه إليهم مقابل 30 قطعة من الفضة.

وكانت قبلة على شفتي المسيح هي العلامة التي اتفق عليها يهوذا مع أعضاء المجمع الذين أرسلوا حارسًا لم يكن يعرف شكل المسيح إلى بستان جثسيماني -حيث كان المسيح يختلي بتلامذته بعد العشاء الأخير- لأنهم كانوا يخشون القبض عليه في النهار أمام الجموع لئلا يثوروا ضدهم. وقد قيل إن الشيطان قد دخل قلب يهوذا وقت أن وشى بالمسيح، وأنه قد ندم أشد الندم على فعلته تلك، وقرر أن يرد القطع الفضية إلى مجمع الحكماء ويقتل نفسه.

لوحة خيانة يهوذا لمايكل أنجلو *المصدر

هناك عند المرج القديم، ذاك المرج الذي سُيقام عليه المطار والذي أعطاه داني لصديقه إيثان مقابل ألف دولار فقط، رأى إيثان صديق طفولته يقف مبتسمًا قابضًا على شيء في كفه. خاف إيثان من مظهر صديقه الشاحب في بداية الأمر، ولكنه سرعان ما اقترب منه ليعانقه، وحين وضع صديقه ذلك الشيء الذي كان يقبض عليه في كف إيثان وضع الأخير قبلة على شفتيه بدلًا من أن يعانقه.

لقد كان كابوسًا مريعًا ذلك الذي استيقظ منه إيثان وهو لا يزال يشعر بملمس شفتي صديقه الباردة المتشققة على شفتيه، وعلى الرغم من أنه قد تأكد أن ما رآه كان حلمًا، إلا أنه كان قد اتخذ القرار عينه الذي اتخذه يهوذا حين ندم على الوشاية بالمسيح، لقد قرر إيثان أن يقتل نفسه تكفيرًا عن ذنبه الذي لم يكن ليقل شيئًا -بالنسبة إليه- عن ذنب يهوذا.

بهذا المشهد الختامي نجح شتاينبك في زعزعة تلك الحالة من الرضا التام عن النفس التي يشعر بها بعض ممن يظنون أنفسهم صالحين، وهم لم يتعرضوا للاختبار والابتلاء بعد، إذ إنه قد أرى كل واحد منهم أنه قد يكون وراء ذلك الحواري المخلص الذي يظن أنه هو شيطان ماكر ينتظر فقط اللحظة المناسبة للظهور.

لقد كتب شتاينبك في هذه الرواية عن نفسه وعن وطنه الذي كان يمر بفترة عصيبة كشفت معادن الجميع، وجعلتهم مجبرين على الاختيار ما بين أن يكونوا نبلاء ويتمسكوا بمبادئهم، أو أن يتماشوا مع الظروف الراهنة -حتى ولو كانت فاسدة- ويبحثوا عن مصالحهم ومكاسبهم هم فقط دون وضع اعتبار لأي شيء.

إن «شتاء الأحزان» رواية تحكي حكاية كاتبها؛ فإيثان آلان هاولي لم يكن سوى جون إرنست شتاينبك الذي اعتاد أن يكون نبيلًا، ثم خضع – بإرادته الحرة- إلى إغواءات الثروة والنفوذ والوضع الاجتماعي. تمامًا كبطل روايته، كان شتاينبك أمام خيارين لا ثالث لهما، إما أن يظل ذلك الأديب الثائر الذي يدافع عن حقوق العمال والمزارعين البسطاء غير عابئ بالاتهامات المتكررة الموجهة إليه بالانتماء للشيوعية، أو أن يخضع لتهديدات وابتزازات لجنة النشاط المعادي لأمريكا، التي كان يترأسها السيناتور جوزيف مكارثي أثناء الحرب الباردة، ويتجنب الاتهام بخيانة بلده والانتماء للشيوعية.

إن شتاينبك بتنكره لأصدقائه القدامى وتأييده للتدخل العسكري الأمريكي في فيتنام، بل وحتى عدم معارضته لعدد من الكتاب والمخرجين الذين وشوا بأصدقائهم، وكتابته مقالات مناصرة لهم، قد تخلى عن نفسه القديمة التي طالما يعتز بها -تمامًا كما فعل إيثان هاولي- وأصبح شخصًا آخر لا يعرف نفسه ولا يعرفه الآخرون؛ فيقول في خطاب أرسله إلى أحد أصدقائه القدامى: «إنك في الظل تنجرف نحو السلام والطمأنينة، بينما أنا تجرني أضواء الشهرة نحو المزيد من العنف والضجر».

إن لم تكن معي فأنت ضدي.. هكذا كان عصر الرعب في أمريكا «المؤمنة»

 

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد