«كانت معركة الوطن تدور في خندق سفلي، لا يحس به أحد من السائرين في الشارع أو راكبي الترام أو من يملئون المتنزهات والسينمات، كنا هنا نخطط لعوالم أفضل، مجتمعات بلا مشاكل، ديمقراطية كاملة، ولم يتفضل منا أحد ويسأل الجماهير عن ما يريده. كنا نعتبر الشعب مجرد طفل قاصر لا يعرف مصلحته». *يوسف إدريس، رواية البيضاء

في الفترة التي أعقبت اندلاع ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، كان المجتمع المصري يُعاد تشكيله بنيويًا وليس جذريًا. بمعنى أن المجتمع كان يتغير وفقًا لأهواء السلطة السياسية التي لم تكن موحدة الأيدولوجية في جميع المراحل، إذ قبلت الاقتصاد المركزي المخطط دون الحاجة إلى الاشتراكيين، ثم قبلت الاقتصاد الحر دون الإقرار بالليبرالية، ووضعت الجميع في أماكن نائية عن صنع القرار واتخذ الجيش مكان الصدراة في الحياة المدينة من غير تأهيل أيدولوجي.

كل هذه العوامل تسببت في فك مفاصل المجتمع المصري القديم؛ دون القدرة على إقامة المجتمع الجديد، فظهر قوام اجتماعي رخو أقرب إلى السيولة وغير متماسك، يتشكل حسب الإناء الذي يوضع فيه. كان الأمر أشبه بفوضى مخيفة من الأفكار والسلوكيات المتناقضة وأصبح للفلاح والعمال والرأسماليين تعريفات قادمة، من خارج الوجود الفعلي للفلاحين والعمال والرأسمالية المصريين، وفي هذا المجتمع غير المستقر والقابل للانهيار عاش يوسف إدريس وصور لنا هذه المرحلة ببراعة.

الكاتب يوسف إدريس، المصدر: أراجيك

«صورة الثورة» عند يوسف إدريس.. تأسيس حزب أدب مصري!

أثناء كتابة أغنية «صورة»؛ سأل عبد الحليم حافظ الشاعر صلاح جاهين، ماذا ترى في «صورة الثورة» ليرد جاهين قائلاً: «خُضرة ومية، وشمس عفية، وقُبة سما زرقا مصفية، ونسايم سِلْم وحرية، ومعالم فن ومدنية». أما صورة الثورة بالنسبة ليوسف إدريس فقد كانت تأسيس أدب مصري عربي مختلف عن أدب الغرب. إذ لا بد أن تكون القصة القصيرة المصرية مختلفة عن القصة القصيرة في أوروبا، كما أن المسرح المصري العربي لا يجب أن يحاكي المسرح الأوروبي؛ فالفن ينبع في كل أرض بشكل مختلف عما سواها متأثرًا في ذلك بعمق الموضوعات والشخصيات.

والحقيقة أن الدعوة لتأسيس أدب مصري خالص كان لها إرهاصات من الماضي فبعد ثورة 1919، كان الأخوان شحاتة وعيسى عبيد يؤسسان لأدب مصري في فن القصة القصيرة، نابع من البيئة المصرية ومعبرًا في الوقت ذاته عن مجتمع يثور على الموروث، ولكن سعد زغلول لم يرحب كثيرًا بهذه الفكرة إذ اشترط أولًا أن يحدث الاستقلال التام ومعه سيتحقق بالتبعية استقلال الفن المصري.

في هذه الحالة كان على الداعين لتأسيس أدب مصري أن يعملوا بعيدًا عن السلطة السياسية، وبالفعل تأسست المدرسة الحديثة في القصة القصيرة التي ضمت محمود طاهر لاشين ويحيى حقي وإبراهيم المصري. ثم تضافرت مع تلك الحركة موسيقى سيد درويش والفن التشكيلي لجيل الرواد مثل محمود مختار، ثم انضم للمدرسة فن الباليه والموسيقى السيمفونية والأوبرا والرقص الحديث والرقص الشعبي والعمارة.

وقد حققت ثورة 1919 طفرة أدبية لأنها وسعت من مساحة الليبرالية وخرجت من مظلة النظام الحاكم وهو الأمر الذي لم يستطع إدريس أن يحققه؛ فالنظام الناصري لم يكن ليسمح بأي مساحة للتغيير حتى لو كان تغيير شكل الكتابة الأدبية، ولكن إدريس استطاع أن يثور في مساحته الخاصة على الورق الأبيض وتمكن من انتزاع جزء من مساحته الخاصة وكتب القصة القصيرة بشكل إبداعي عما سواه.

4 أدباء مشهورين لم يعرفهم العالم إلا بعد وفاتهم

عزيزة وفتحية وشهرت: شخصيات يوسف إدريس المعبرات عن المجتمع

«الردح كالزغاريد فن مصري أصيل، وكما أن الزغاريد لا تجيدها كل النساء؛ فكذلك الردح يجب على المتخصصات فيه أن يحفظن عددًا لا نهاية له من الشتائم، بعضها عادي وبعضها فيه تشبيهات واستعارات تمامًا مثل الأدب الخالص، ولا بد أن يكون للشتيمة وقع الموسيقى». *يوسف إدريس، قاع المدينة

هناك دراسة هامة أجراها الكاتب والناقد المسرحي أبو الحسن سلام عنوانها «السلطة المطلقة بين الحاكم والراوي في المسرح العربي»، قارن من خلالها بين السلطة المستبدة للحاكم والراوي وانتهى في دراسته إلى أن نمط السلطة المطلقة للحاكم في الدول العربية ينعكس على العمل الأدبي من ناحيتين؛ فإما أن يتحول الراوي من دور الوسيط بين المتلقي والنص إلى دور المتسلط على شخصيات العمل الفني، وإما ألا تنمو الشخصيات الروائية بشكل طبيعي أو تكون مشوهة.

وفي حالة يوسف إدريس فهو لم يستبد بشخصياته؛ فمعظمها مشقتة من البيئة الاجتماعية، والشخصيات عادة ما تتطور في ضوء الإمكانيات المادية والاجتماعية وهذا يعني أن الأحداث لم تأت على درجة فنية أو اجتماعية أعلى من قدرات الشخصية النفسية والاجتماعية.

ولكن ما حدث مع إدريس هو أن طبيعة النظام المستبد فرضت تشوهًا في الشخصيات جاء نتاج الإفرازات الاجتماعية والاقتصادية السيئة التي سببها فساد السلطة السياسية، الأمر الذي بدا واضحًا في شخصيات رواياته.

غلاف رواية الحرام

عزيزة بطلة رواية «الحرام» المنتمية إلى فئة ريفية مهمشة، هي فئة عمال التراحيل تضطر إلى العمل في الأراضي الزراعية بشكل موسمي هي وزوجها وبالكاد يحصلون على غذائهم مقابل العمل فإذا توقفوا يومًا واحدًا هلكوا من الجوع. ظلت عزيزة وزوجها يعملان ويدبران معيشتهما حتى وقع الزوج مريضًا واضطرت هي للعمل لتحافظ على بقاء العائلة. وفي أحد الأيام وحين كانت عزيزة تأتي لزوجها بحبة بطاطا من أحد الحقول تعرضت للاغتصاب، وأثناء ذلك لم تصرخ خوفًا من الفضيحة لتحمل بعدها سفاحًا وتقتل طفلها، ولكنها تضطر إلى الاستمرار في العمل حتى لا تجوع عائلتها، لتقع يومًا فريسة للحمى وتموت.

غلاف المجموعة القصصية قاع المدينة

أما شهرت بطلة قصة «قاع المدينة» فقد كان زوجها يعمل بأحد المصانع ولكنه ترك العمل، فكان عليها أن تعمل هي من أجل إعالة الأسرة. ولأنها لم تكن متعلمة فقد ساقها حظها العثر إلى العمل خادمة عند الأستاذ عبد الله الذي كان يعمل قاضيًا، وبعد أيام من عملها راودها رب عملها عن نفسها ولكنها قاومت في البداية لتستسلم له في نهاية الأمر وتقبل أن تمارس معه الجنس مقابل ألا تترك عملها. وبعد شهور من العمل معه سرقت شهرت ساعة اليد الخاصة بالقاضي والتي لم يكن سعرها مرتفعًا لأنها أرادت أن ترتدي جيبة وبلوزة مثل بقية سكان العمارة إذ كانت تستحي أن تأتي في كل مرة بالعباءة اللف.

غلاف المجموعة القصصية النداهة

أما فتحية بطلة قصة «النداهة» فهي فتاة قروية بسيطة سحرتها أضواء المدينة عبر السمع فقط، إذ كانت إحدى قريباتها تسكن هناك وكانت تأتي إلى القرية لتقص على مسامع الفتيات جمال المدينة وصخبها. ليجلسن هن مسحورات كنسوة يوسف حين قطعن أيديهن، وعندما تقدم لخطبتها حارس بإحدى عمارات القاهرة، وافقت على الفور من أجل السفر للقاهرة، وهكذا انتقلت فتحية مع زوجها حامد وهناك تطل على القاهرة من شباكها الصغير.

لكن فتحية تقع في شرك أحد سكان العمارة الذي أعجبته تلك الفتاة الريفية النقية، وعليه قرر أن ينالها بأي ثمن ليدخل عليها زوجها حامد وهي ماكثة في سكون تام تحت هذا الساكن الذي اغتصبها، فيما بعد يقرر حامد أن يرجع فتحية إلى بلدها ولكنها تهرب لتبتلعها شوارع القاهرة الواسعة.

وبرغم ازدحام العالم القصصي عند إدريس بعشرات الشخصيات؛ نجد أن المعطيات الدلالية والفكرية في عالمه الأدبي محدودة، فهو يبتعد قدر الإمكان من عالم القصة القديم الزاخر باليوتوبيات لأنها تستعصي على التحقيق وتتطلب شخصيات كاملة؛ وشخصيات إدريس ناقصة على الدوام، ناقمة وقوية. فجميع شخصياته النسائية كن قويات يمكنهن تحمل صعاب الحياة.

لكن أبطال إدريس يقاومون ولا يثورون، ينتظرون دائمًا المصادفات والأقدار كي تتولى الفعل نيابة عنهم، فحتى فتحية التي هربت من حامد في قصة النداهة وقررت المكوث في القاهرة؛ كانت تخاف من الفضيحة في قريتها وفرت من قدر حامد إلى قدر آخر قد يكون أكثر سوءًا، إذ يوحي انخراطها في الزحام بنهاية القصة؛ أنها فضلت أن تكون واحدة من القطيع عوضًا أن تكون نفسها.

رواية البيضاء.. صفعة على وجه التيار اليساري المصري

«كان البارودي يتكلم عن مصر ولكني أحس أن مصر التي يتكلم عنها غير مصر التي أعرفها، كان يتكلم عن الثورة ولكني أحس في أعماقي أن الثورة التي يتكلم عنها غريبة تمامًا عن نفسي، وكأنها ثورة أجنبية وحتى الكتب التي كان يحملها كانت كتبًا فرنسية، والأشعار التي يحفظها كان معظمها لبيرون وشيلي». *يوسف إدريس، رواية البيضاء

غلاف رواية البيضاء

انطوت كتابة يوسف إدريس لرواية البيضاء على الجسارة الإبداعية، وعلى الرغم من أن إدريس كان يثور دومًا على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المصرية، إلا أنه في رواية البيضاء اختار أكثر مجال إثارة للمتاعب والجدل وهو المجال السياسي. إذ تعد رواية «البيضاء» عملًا كاشفًا يسقط قضية الحرية على قضية الهوية، بما يجعل كل واحدة منهما وجهًا للأخرى.

تحكي رواية البيضاء عن يحيى الذي يعمل طبيبًا لورش السكة الحديد، ويتطوع في التنظيم السري للاشتراكيين في الوقت، وبحكم عمله في المجلة التابعة للتنظيم محررًا؛ يتعرف يحيى على سانتي الفتاة اليونانية التي يقع في حبها، والتي ترمز في الرواية إلى «الآخر» بمكوناته الفكرية والاجتماعية والنفسية، ويجسد يحيى «الأنا» بخصائصه النفسية والاجتماعية. وأثناء عمله في التنظيم السري يصطدم يحيى مع البارودي قائد التنظيم الذي يرى يحيى أن تعليماته تبدو أجنبية مستوردة بعيدة كل البعد عن الواقع الاجتماعي المصري المتعفن، وفي النهاية يتعرض يحيى للاعتقال وتنتهي الرواية بفشل العلاقة بين «الأنا والآخر» على مستوى الحب والفكر.

بعد نشر الرواية انصب الهجوم النقدي اليساري على إدريس وخاصة بسبب مقدمة الرواية؛ التي لمّح فيها أن الكثير من أحداث الرواية حقيقية، وجاء الهجوم الأول على إدريس من قبل سامي خشبة الذي كتب مقالاً في جريدة المساء؛ بعنوان «بيضاء يوسف إدريس» يذكره فيه بأنه كتب الرواية (بحسب ما قال إدريس) عام 1955، وهو  العام نفسه الذي كان يقبع فيه إدريس بسجن القناطر.

بالنسبة إلى اليساريين لم تكن الصفعة فقط، في نقد نهجهم وأفكارهم ولكن الضربة التي وجهها إدريس لقلب التيار اليساري كانت في أنه نشر رواية البيضاء في جريدة الجمهورية، بعد أن تصالح مع السلطة الناصرية في الوقت الذي كان يتلقى فيه اليساريين أبشع أنواع التعذيب في السجون الناصرية.

ذات مرة في الشانزليزيه.. كيف أثرت علاقة أبرز أدباء فرنسا بالدعارة على أدبهم؟

المصادر

تحميل المزيد