في صلاة فجر يوم 21 من أغسطس (آب) من عام 1969م، خرج المقدسيون من المسجد الأقصى على أمل العودة بعد بضع ساعات لأداء صلاة الظهر، في المحراب ذاته، انقضى الجمع نحو أعماله ومهامه اليومية، حتى قُطع كل شيء بعد أقل من ساعتين على المغادرة.

ففي تمام الساعة السابعة صباحًا، فُجع الحراس بلهيب نيران كبيرة تخرج من المسجد وتملأ سماء المدينة، وما إن انتشر الخبر، حتى هرول الجميع بدموع منهمرة نحو حمل ما يُستطاع  من تراب وماء لإلقائه على ألسنة النيران؛ التي بقيت مشتعلة حتى العاشرة بسبب عرقلة قوات الاحتلال سيارات الإطفاء القادمة من مدن نابلس، ورام الله، والبيرة، وبيت لحم، والخليل، وجنين، وطولكرم بالضفة الغربية.

التهمت النيران مرافق المسجد الأثرية، مثل منبر صلاح الدين، والمحراب، وأجزاء كبيرة من الجهة الشرقية للمسجد؛ فجاءت على ثلث مساحة الأقصى الإجمالية، باحتراق ما يزيد عن 1500 متر مربع من المساحة الأصلية البالغة 4400 متر مربع. في البداية، بُررت الجريمة بأنها فعل فردي لرجل أسترالي الجنسية، مسيحي الديانة يدعى مايكل دينيس، لكن ما كُشف لاحقًا أن الأسترالي جلبته الوكالة اليهودية للعمل لصالح إسرائيل؛ فبعد قضائه شهورًا في كيبوتس صهيوني تعلم العبرية، واكتسب تعاليم الصهيونية، ثم أقدم على حرق المسجد.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ شهر
«فورين بوليسي»: هذه الملفات مهدت التقارب بين الإمارات وإسرائيل

وفي يومنا هذا، الموافق، 21 أغسطس عام 2020م، كان على المقدسيين إحياء الذكرى الحادية والخمسين لهذه الجريمة؛ لكن هؤلاء الذين ما زالوا يتألمون مما حدث لمسجدهم منذ 50 عامًا، اختاروا الاحتجاج على اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي الرسمي الذي أُعلن قبل أيام؛ غير آبهين بالتعزيزات الأمنية التي اتخذتها دولة الاحتلال الإسرائيلي لمنعهم، وهي احتجاجات متواصلة منذ الجمعة الماضية حين داس بعضهم في ساحات المسجد بالنعال، صور ولي عهد أبو ظبي «محمد بن زايد»، فيما رفع آخرون شعارات «خائن» مكتوبة على الصورة.

«شالوم عليكم».. «العتيبة» يكتب مقالًا بالعبرية في الذكرى

في مشهد قريب جغرافيًّا من الحدث آنف الذكر، كان العاملون في مقر أكبر صحيفة يوميَّة عبرية هي «يديعوت أحرونوت»؛ حيث يبعد مقرها الرئيس في تل أبيب عن القدس نحو 70 كيلومترًا مبتهجين بحصرية نشر صحيفتهم مقال رأي عبراني غير مسبوق لدبلوماسي خليجي رفيع المستوى.

لقد كان المقال خاصًّا بالسفير الإماراتي لدى الولايات المتحدة، يوسف العتيبة، الذي لم يكن قد وُلِد بعد؛ حين اندلع حريق المسجد الأقصى، فهو  يبلغ الآن السادسة والأربعين من العمر، وكتب بهدف تسويغ التحالف الإسرائيلي الإماراتي؛ بزعمه أن هذا التحالف، هو ما أوقف ضم المناطق الفلسطينية، وأنه اتفاق يفتح الباب أمام مستقبل أفضل للشرق الأوسط.

ففي المقال المعنون بـ«شالوم عليكم- سلام عليكم» ـ وتمهيدًا لمباركة اتفاق التطبيع بين البلدين، قال العتيبة، الذي تفاخر بأنه كان واحدًا من ثلاثة سفراء عرب في غرفة الشرق، بالبيت الأبيض؛ حين كشف الرئيس ترامب عن اقتراحه لـ«صفقة القرن» في يناير (كانون الثاني): «المجتمع الديني في الإمارات، المكون من السكان المحليين والأجانب – وهو بالفعل متنوع وشامل في المنطقة – متحمس لزيارة إسرائيل وبناء علاقات أعمق، للجلوس معًا في عيد الفصح، خلال وجبة ما بعد العشاء في رمضان، أو في عشاء عيد الميلاد. وبالطبع نتوقع أن يأتي الإسرائيليون ويزورون ويصلون في مركز أبراهام في أبو ظبي، والذي سيجري بناؤه قريبًا – مجمع متعدد الأديان سيشمل مسجدًا وكنيسة وكنيسًا جنبًا إلى جنب».

وفي المقال الذي لم ينس العتيبة فيه أن ينال فيه من الإسلاميين كعادته قال إن: «بلده تنتظر تأسيس علاقات عميقة أكثر مع التكنولوجيا الإسرائيلية المتقدمة»، كما واصل الحديث عن مراحل التطبيع في كافة المجالات التي بدأ العمل عليها؛ وأولها  في المدى القريب: «العمل  بالتوازي لتأشيرة دخول للسياح، والطلاب ورجال الأعمال، والاستعداد لاستضافة الزوار الإسرائيليين لجناحهم وأجنحة دولة أخرى في معرض (إكسبو) العالمي، الذي سيعقد في دبي في أكتوبر (تشرين الأول) القادم».

وفي الوقت الذي انكب فيه الإسرائيليون يحتفون بهذا المقال وما تبعه، كأن يعيد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإسرائيلية «ليئور حياة» نشر تغريدة مدير وزارة الخارجية الإماراتية من الاتصالات الاستراتيجية، هند العتيبة، عن المقال ويكتب: «يا لها من مفاجأة لطيفة عند قراءة تغريدة بالعبرية. لقد مدت إسرائيل يدها بسلام إلى جيرانها منذ إنشائها، السلام فرصة للشرق الأوسط بأسره ويوفر لنا جميعًا الإمكانات»، لم يكن رد فعل المسئولين الفلسطينيين موافقًا حتى الآن على ما يحدث.

لم ير غسان الخطيب، المتحدث السابق باسم السلطة الفلسطينية، في المقال سوى أن الإماراتيين «هدفهم التطبيع، لكنهم قلقون من ردود الفعل العربية السلبية، لذا فهم يستغلون الحاجات الإنسانية للفلسطينيين والضم ذريعةً، لكنه في نهاية المطاف يضر بالموقف العربي والفلسطيني. وهذا غير ضروري» كما قال. 

السلطة الإماراتية تنكب نحو التعاون مع إسرائيل

لم يكن مقال العتيبة الذي وصفته صحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية بـ«المقالة الفاصلة» سوى مادة إعلامية أظهرت القليل من سيل الهرولة الإماراتية نحو التعاون والتقارب مع الإسرائيليين، ففي واحدة من أشرس السجالات التي يخوضها الآن رجال محمد بن زايد، يواصل الداعية الإماراتي وسيم يوسف، حملته للتنديد بما أعلنه مفتي القدس، والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، حول حرمة الصلاة في المسجد الأقصى للإماراتيين، في ظل التطبيع.

إذ قال المفتي إنه أصدر فتوى عام 2012م، «تسمح بزيارة القدس والأقصى ضمن معايير معينة، ليس من بينها التطبيع»، مضيفًا: «بما أن هذا الاتفاق (الإماراتي- الإسرائيلي) يحمل علامات التطبيع، فإن زيارة القدس غير مسموح بها ومحرمة».

وردًّا على الفتوى السابقة، قال يوسف الذي وصف  الفلسطينيين بعد خطوة التطبيع الإماراتي بأن «اليهود أشرف منكم»؛ إن: «تحريم مفتي القدس لصلاة الإماراتيين في المسجد الأقصى هو تسييس للدين، وليس له سند شرعي».

علاوة على ما سبق، كانت الخطوات التطبيقية لاتفاق التطبيع أسرع مما يتخيل أحد؛ فقد ظهر ذلك في صور توقيع شركة «أبيكس الوطنية للاستثمار الإماراتية» لاتفاق تجاري استراتيجي مع مجموعة «تيرا» الإسرائيلية للتعاون في مجال الأبحاث والتطوير المرتبط بمرض كوفيد-19؛ إذ قال خليفة يوسف خوري؛ رئيس مجلس إدارة أبيكس؛ إن الاتفاق «يشكل باكورة الأعمال لفتح التجارة والاقتصاد والشراكة الفعالة بين قطاعات الأعمال الإماراتية والإسرائيلية لما فيه المنفعة والخير وخدمة الإنسانية، عبر تعزيز الأبحاث والدراسات الخاصة بفيروس كورونا».

المصادر

تحميل المزيد