عبد القادر بن مسعود 1
عبد القادر بن مسعود 1

4,440

تعيش المؤسسة العسكرية التونسية تحدّيًا لإقناع الشباب التونسي بأداء الخدمة العسكرية؛ ففي الوقت الذي تشير الإحصاءات إلى أداء 1% فقط من التونسيين كل سنة للخدمة العسكرية، تبيّن أرقام أخرى وجود 200 ألف متهرب من أدائها، وجهت لهم وزارة الداخلية بأمرٍ من وزارة الدفاع بطاقات تفتيش لجلبهم لأداء الخدمة، وبالرغم من محاولات وزارة الدفاع عن طريق الامتيازات وتعديل القوانين لجلب الشباب التونسي وثنيه عن العزوف، إلّا أن الشباب التونسي بقي عصيًّا على التجنيد. في الأسطر التالية نسلط الضوء على الخدمة العسكرية في تونس، وعن الأسباب التي أدت بالشباب التونسي إلى مقاطعتها.

نقص الميزانية وتجهيزات قديمة.. مشاكل يواجهها الجيش التونسي

في أحدث تقريرٍ له سنة 2018 كشف موقع «Global Fire Power» المختص في الشؤون العسكرية أنّ الجيش التونسي يحتلّ المرتبة 77 في مؤشر أقوى جيوش العالم لسنة 2018؛ ليواصل تراجعه في التصنيف، بعد أن كان قد احتلّ في سنة 2017 المرتبة 76، والمرتبة 73 عالميًا سنة 2016، والمرتبة 58 سنة 2015.

ويرجع هذا التراجع المستمر في قوة وأداء الجيش التونسي إلى التهميش الذي تتعرض له المؤسسة العسكرية التونسية؛ إذ تبقى ميزانية وزارة الدفاع التونسية إحدى أضعف الميزانيات العربية؛ فقد بلغت ميزانية وزارة الدفاع التونسية 803 مليون دولار للعام 2018، مقابل نحو 766 مليون دولار لعام 2017، كما تشير بعض الأرقام غير الرسمية إلى أن عدد الجنود العاملين في الجيش التونسي يصل إلى نحو 38 ألفًا، في حين يصل الاحتياطيون إلى 12 ألفًا فقط، وبالحديث عن التجهيزات والأسلحة التي يمتلكها الجيش التونسي يبلغ عدد الدبابات نحو 180 دبابة، ناهيك عن عدد المدرّعات الذي لا يتجاوز 679 مدرعة، كما يملك أسطولًا جويًّا يبلغ 138 طائرة حربية، إضافةً إلى 75 طائرة مروحية، ونحو 50 قطعة بحرية.

 وكانت تونس قد أبرمت عام 2014 اتفاقية لشراء 12 مروحية من نوع بلاك هوك الأمريكية، تسلّم آخر دفعة منها عام 2019، في صفقةٍ بلغت قيمتها نحو 700 مليون دولار، وأمام هذا الواقع يعمل الجيش التونسي على تحديث تجهيزاته وعتاده، خصوصًا ما تعلق بأسطوله الجوي؛ إذ تشير بعض التقارير إلى توقيع السلطات التونسية عام 2015 اتفاقًا عسكريًّا مع الشركة الأمريكية العملاقة «نورثروب غرومان سيستم كوربوريشن» لتحديث أسطول الطائرات التونسية من نوع «F-5E/F Tiger 2»، بمبلغ قدّر بنحو 32 مليون دولار.

وبحكم نقص الميزانية، تعيش المؤسسة العسكرية التونسية على وقع المساعدات الخارجية؛ إذ قدّمت الجزائر مساعدات عسكرية للجيش التونسي بقيمة 150 مليون دولار، تمثلت في طائرات وصواريخ أرض – جو روسية، إلى جانب تجهيزات عسكرية أخرى لمساعدتها على مكافحة «الإرهاب». كما أهدت الولايات المتحدة الأمريكية مساعدات عسكرية للجيش التونسي بعد الإطاحة بنظام بن علي هي الأكبر – التي تمنحها الإدارة الأمريكية – لبلدٍ عربي، تمثّلت في 14 طائرة حربية من نوع إف 16، وتسع طائرات مروحية إلى جانب تجهيزات وذخائر أخرى.

وتواجه الجيش التونسي تحديات كبيرة لضمان أمن واستقرار البلد؛ إذ يخوض معركةً فاصلة ضد المسلحين، خصوصًا بالجنوب، ويعدّ جبل الشعانبي – أكبر قمة جبلية في تونس – واحدًا من بين المناطق التي أعلنها الجيش التونسي منطقة حربٍ ضد المسلحين، بسبب الهجمات التي يتعرض لها الجيش انطلاقًا من جبل الشعانبي الواقع قرب الحدود الجزائرية، والتي راح ضحيتها عشرات الجنود التونسيين، كما يواصل الجيش التونسي في فترات متقطعة معركته ضد المسلحين في بنقردان، إحدى المدن التونسية التي شهدت هجمات دامية سنة 2016.

وكانت آخر عملية مسلحة استهدفت الجيش التونسي في يوليو (تموز) الماضي، وأسفرت عن مقتل ثمانية عناصر من الأمن التونسي، في كمين نصبته مجموعة مسلحة شمال غرب البلاد على مقربة من الحدود الجزائرية، وفي مفاجأة فجرتها جريدة الشروق التونسية، قالت الصحيفة إن ما يقارب عن 600 فرعٍ بنكي تابع لـ30 بنكًا في تونس ليست مؤمّنة، وباتت معرضة لخطر الهجمات الإرهابية، وأضافت الصحيفة عن مصادر أمنية أن «العصابات الإجرامية والعناصر الإرهابية تخطط لاستهداف بنوك وفروعٍ جديدة».

جديرٌ بالذكر أنّ مسلحين قاموا بالسطو على فرع بنك في محافظة القصرين الواقعة على الحدود مع الجزائر، يوم الأربعاء الماضي، دون الكشف عن قيمة الأموال التي استولوا عليها بحسب ما ذكرته وكالة «رويترز».

وأمام هذه التحديات التي تقف أمام طريق الجيش التونسي لتأمين وحماية الحدود التونسية، تقف عدد من المعوقات والمصاعب في طريق الجيش نحو التطوير من أدائه، فبالإضافة إلى الميزانية المنخفضة؛ يعاني الجيش من عزوف الآلاف من شباب التونسي عن أداء الخدمة العسكرية؛ ما ولّد أزمة في صفوف المؤسسة العسكرية.

200 ألف هارب من الخدمة العسكرية في تونس

خلال إحدى جلسات استماعٍ في البرلمان التونسي العام الماضي، كشف وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي عن مفاجأة من العيار الثقيل، تمثّلت في رفع وزارته لـ200 ألف قضية ضد شبان تخلّفوا عن أداء الواجب العسكري، وأوضح أن القضاء العسكري تولّى إرسال بطاقات تفتيش في حق هؤلاء إلى وزارة الداخلية حتى تتولى جلبهم لقضاء الخدمة طوعيًّا.

وتعيش تونس على وقع أزمة عزوف شبابها عن الخدمة العسكرية، على الرغم من البرامج التي أعدّتها وزارة الدفاع التونسية لتحفيز الشباب على اجتياز الخدمة، إذ سجّلت مكاتب الخدمة العسكرية استدعاء 31 ألف شاب لتأدية الخدمة العسكرية خلال عام 2017، لكنّه لم يتقدّم إلّا 500 شاب فقط، وفي دراسةٍ أجرتها وزارة الشباب التونسية صدرت في نهاية العام الماضي، عن أداء الشباب التونسي من عدمه للخدمة العسكرية، أفضت الدراسة إلى أن سبعة من أصل 10 شبان لا يرغبون في تأدية واجبهم العسكري.

ومع الارتفاع الكبير لعدد العازفين والهاربين من أداء الخدمة العسكرية، سارعت وزارة الدفاع التونسية إلى تعديل قانون الخدمة العسكرية على أملٍ منها في تقليص عزوف الشباب عنها، وربط القانون الجديد تأدية الخدمة العسكرية بالمستقبل المهني لكل شاب، فكل من يتقدم متطوعًا حسب القانون الجديد، يتمتع بالأولوية في الحصول على عمل بالوظيفة الحكومية. كما ينص مشروع القانون، على إلزامية تسوية الوضعية العسكرية إزاء الخدمة الوطنية لكل مترشح للانتخابات أو لوظيفة وحتى للعمل، أو التنصيب في القطاع الخاص. كما تضمن مشروع القانون أيضًا مبدأ المساواة بين الجنسين من خلال رفع نسبة المجندات من النساء، في إطار الخدمة العسكرية.

تجنيد الفتيات لتعويض عزوف الشباب عن الخدمة العسكرية

مواصلةً مع محاولات وزارة الدفاع التونسية مواجهة عزوف الشباب التونسي عن التجنيد، وذلك بسنّ قوانين جديدة تسير في نفس الإتجاه، تعمل وزارة الدفاع التونسية على سنّ مشروع قانون جديد ينص على دعوة الإناث لأداء الخدمة العسكرية مثل الذكور.

وقال وزير الدفاع التونسي عبد الكريم الزبيدي: إن نسبة إقبال النساء على أداء الواجب العسكري تقدر بـ6% من مجموع المؤدين لها، مشيرًا إلى أن تنفيذ هذا الإجراء يتطلب تأهيل المنشآت العسكرية، وأضاف الزبيدي أنّ مشروع القانون الجديد سيتيح تكوين وتأهيل من يقبلون على أداء هذه الخدمة، وإكسابهم مهارات مهنية، سواءً كانوا من الذكور أو الإناث.

مجندات في صفوف  الجيش التونسي

وأمام هذا القانون الجديد، اشتعل الجدل من جديد حول تجنيد الفتيات في تونس، وفي حديثها مع «ساسة بوست» أكدت الشابة التونسية «ليلى س» أنّها مع القانون الجديد الملزم بإجبارية التجنيد، معتبرةً أنّ المساواة بين الجنسين التي ينادي بها التونسيون «تقتضي المساواة في أداء الواجب الوطني»، مضيفةً أنّ إقبال الفتيات على الخدمة العسكرية «من شأنه أن يقلص من نسبة العزوف». من جهتها اعتبرت «سامية ع» إحدى ناشطات المجتمع المدني في حديثها مع «ساسة بوست» أنّ القانون الجديد «من شأنه أن يلبّي طموح الكثير من النساء التونسيات»، معتبرةً في الوقت ذاته أنّ القانون لا يعني أنّ الفتيات سيعوّضن الذكور في الجيش التونسي.

لماذا يتهرب الشباب في تونس من الخدمة العسكرية؟

يشهد الإقبال على الخدمة العسكرية عزوفًا كبيرًا من قبل الشباب التونسي، على الرغم من محاولات وزارة الدفاع التونسي، في السنوات الأخيرة، إقرار بعض البرامج التحفيزية من خلال تعديل قانون الخدمة العسكرية. وتنوع أسباب هذا العزوف بين عوامل اجتماعية ونفسية واقتصادية.

وفي حديثه مع «ساسة بوست» أبرز الإعلامي التونسي سلمان زكري، أسباب عزوف الشباب التونسي عن الخدمة العسكرية بقوله: «يوجد العديد من الأسباب التي تجعل الشباب التونسي يعزف عن الخدمة، أولها العقيدة العسكرية مفقودة تقريبًا في النفسية المجتمعية في تونس، إضافةً إلى أنّ الجيش التونسي لم يبرز في الوجدان الشعبي، إلا بعد الثورة تقريبًا».

وأضاف زكري أنّ «الشاب التونسي ينهي دراسته تقريبًا في سن 24 و 25 سنة، وهو سن الخصوبة الذي ينبغي فيه بداية تأسيس أسرة، ليجد الشاب نفسه باحثًا عن مصدر رزق وتأسيس لحياته الاقتصادية مقابل أجور ضعيفة، وعدم ضمان استقرار في المهنة ما يتطلب منه الكدح لسنوات، وفي نفس الوقت يجد نفسه مضطرًا للتهرب من سنة الخدمة العسكرية التي يرى فيها مضيعةً للوقت». ليضيف أيضًا: «المناخ العام للخدمة لا يستهوي الشباب، ولا يوجد ما يحمّسهم للقيام بالخدمة، خاصة مع تواجد الثكنات في مناطق وعرة وذات مناخ صعب، وسماعهم عن الأعمال الشاقة التي يمارسها المتطوعون».

وختم زكري حديثه بالقول: «المؤسسة العسكرية في تونس تفتقد للتجهيزات العسكرية الجيدة، وبإمكاننا الحديث عن «خُردة» في المعسكرات التونسية، خاصة في ما يخص المدرعات والطائرات، وهذا طبعًا يعدّ عاملًا آخر مهمًّا ينفّر الشباب عن الخدمة، خاصة حينما يكون الشاب يتمنى التدريب على سلاح جيد».

من جهتها، اعتبرت هالة، إحدى المواطنات التونسيات، في حديثها مع «ساسة بوست» أنّ «سبب عزوف الشباب التونسي عن الخدمة يعود إلى المناطق النائية والبعيدة، والجبال الوعرة التي يجتاز فيها معظم الشباب تدريباتهم وتكوينهم العسكري».

وكان القائد بالجيش التونسي العميد بشير الفرجاني، أكدّ أن عزوف الشباب عن أداء واجب الخدمة العسكرية ملفت للانتباه؛ إذ تقلّصت أعدادهم بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، كاشفًا أنه لم يتقدّم خلال حصة التجنيد الأولى للسنة الحالية مارس (آذار) 2018 سوى 88 شابًا تم قبول 62 منهم، من بين حوالي ألف شخص وجهت لهم الدعوة في الولايات باجة وجندوبة، والكاف وسليانة.