يوفِّر موقع «يوتيوب» محتوى تعليميًّا دسمًا متنوِّعًا، من البرمجة والتصميم، إلى الخياطة والطبخ والميكانيكا؛ لكن هذه الوسيلة – كما باقي وسائل التواصل الاجتماعي – لم تعد تقتصر فقط على مثل هذه المحتويات التعليمية التقليدية نوعًا ما، بل أصبحت ملجأ للراغبين في الوصول إلى أوروبا عن طريق الهجرة غير الشرعية.

فنجد أن صنَّاع المحتوى على «يوتيوب» يوفِّرون معلومات شديدة الدقة والتفصيل حول الطرق البريَّة لدخول أوروبا عبر تركيا، فدول البلقان، ثم إلى بلدان غرب أوروبا، أو من خلال مجموعات على «فيسبوك»، ينسِّق من خلالها «الحرَّاقة» (وهو لقب يطلق على المهاجرين غير الشرعيين في البلدان المغاربية) معًا الرحلات عبر «قوارب الموت»، وتُناقش في هذه المجموعات أسعار الرحلة، ومختلف أنواع المحرِّكات التي تستعمل في الزوارق بالإضافة إلى أسعارها.

وقد يظن المتابع للوهلة الأولى أن المقبلين على الهجرة غير الشرعية ينحصرون في الفئات شديدة الفقر والمعدومة أو ذوي التعليم المنخفض؛ لكن الواقع هو أن هناك إقبالًا كثيفًا من المتعلمين وذوي الشهادات الجامعية، وأحيانًا حتى الرياضيين أو ممتهني الفنون، ممن يلجؤون إلى الهجرة بسبب انعدام الفرص والأفق المغلق، وهو ما أكَّده لنا أحد صنَّاع المحتوى على «يوتيوب»، ممن يقدِّم إرشادات ونصائح للمهاجرين في رحلتهم لعبور «طريق الموت» انطلاقًا من تركيا، وصولاً إلى دول غرب أوروبا.

«يوتيوب» مصدر رئيسي للحصول على معلومات الهجرة غير الشرعية

موضوع الهجرة هو من دون شك أحد الموضوعات الأكثر حضور لدى الفئات الشبابيَّة؛ فبالنسبة للطلبة أو الفئات ذات المستوى الدراسي والاقتصادي المرتفع، فإن الطرق الشرعية هي الملاذ نحو تحقيق هذا الهدف. أما بالنسبة لباقي الفئات التي لا تستطيع الحصول على تأشيرة السفر، فإن خيار الهجرة غير الشرعية، سواء كانت برًّا أم في قوارب الموت، أصبح بمثابة الخيار البديهي. 

Embed from Getty Images

ومن المؤكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تلعب دورًا شديد الأهمية، ربما ليس في دفع الشباب نحو هذا الطريق، بالنظر إلى الدوافع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ لكنها تلعب دورًا مهمًّا في التوجيه والتنسيق والحصول على المعلومات الرئيسية لبلوغ الوجهة «الحلم».

وتوفِّر قنوات «يوتيوب» مصدرًا رئيسيًّا للحصول على المعلومات حول طرق الهجرة غير الشرعية عن طريق البر، وذلك من خلال القصص التي يرويها المهاجرون عن مغامراتهم ورحلتهم من بلد إلى آخر، والمصاعب في اجتياز الحدود والأسلاك الشائكة عند كل معبر.

في العادة تبدأ طريق «الحراقة» من تركيا بسبب سهولة الحصول على تأشيرتها السياحية لأغلب البلدان العربية، ثم العبور نحو اليونان، والتي تتسم بخطورة معتبرة؛ إذ يقع المهاجرون في قبضة «الحرَّاقين» أو المعبِّرين إلى الضفة الأخرى، والذين يتكفلون بتهجير العميل إلى اليونان من تركيا مقابل مبالغ مالية معتبرة، وكثيرًا ما يقع هؤلاء المهاجرون في أيدي المحتالين الذين ينهبون أموالهم تاركينهم في الخلاء بلا أموال أو طريقة للعودة.

لذلك يستعين المهاجرون بشبكة من المعارف أو من خلال المعلومات التي يستقونها من قنوات «يوتيوب» وصفحات ومجموعات «فيسبوك»، التي تقدِّم معلومات ومصادر حول الطريق. هناك من يعتمدون طرقًا أكثر خطورة مثل العبور داخل محرك حافلة لساعات طويلة دون أكل أو شرب، وهو ما قد يودي بسلامتهم الجسدية. بعد اليونان تأتي مرحلة دول البلقان، من ألبانيا فالجبل الأسود، ثم البوسنة وكرواتيا وسلوفينيا، إلى بلوغ إيطاليا، حيث يتنفَّس المهاجرون الصعداء، فمن هناك تصبح الطريق أسلك نحو بلدان غرب أوروبا.

مجموعات «فيسبوك» للحجز في «رحلات الموت»

بالإضافة إلى قنوات «يوتيوب» المنتشرة بكثافة كبيرة، والتي تحكي بالتفصيل الممل أحسن طرق الهجرة، والتي ينبغي تجنبها، أو تلك التي أصبحت «محروقة» بسبب كثرة سالكيها وانكشافها لأجهزة الأمن؛ فإن هنالك مجموعات على «فيسبوك» يصل أعضاؤها إلى عشرات الآلاف، لتبادل المعلومات وأرقام الهواتف والخرائط والإرشادات حول الطرق المختصرة وأساليب العبور، بالإضافة إلى ما ينبغي أن يحمله المهاجر من متاع وملابس وغيرها.

العالم والاقتصاد

منذ شهر
بعد كورونا.. هل تغيرت نظرة الشعوب الأوروبية تجاه المهاجرين للأسوأ أم الأفضل؟

كذلك تحتوي إرشادات حول أماكن وجود البيوت التي يمكن أن يقيم فيها المهاجر في رحلته الطويلة، وهناك فيديوهات حيَّة للمهاجرين أثناء مبيتهم في الخلاء ومعاناتهم مع درجات الحرارة شديدة الانخفاض، ومصارعة ثلوج أوروبا وأمطارها نحو الوجهة الحلم، والتي تودي أحيانًا بحياة الكثير منهم، حيث يضطر المهاجرون لترك رفاقهم في المكان عينه بعد دفنهم، ومواصلة المسير.

مثلما يحدث في غابة كرواتيا التي يفقد البعض فيها حياتهم بسبب طول المسافة وانعدام الغذاء والدفء، أو النهر الواقع بين البوسنة وكرواتيا الذي يجرف معه بعض المهاجرين أثناء محاولتهم تجنب الحراسة الأمنية، وذلك لقوة تياره وانخفاض درجة الحرارة الشديدة في الشتاء التي تصل إلى -10 درجة أو أقل.

ولا تتوقَّف الأخبار في الجزائر والمغرب عن غرق «قوارب الموت» التي تحمل أحيانًا عائلات بأكملها بأطفالها ونسائها، بالإضافة إلى انقطاع أخبار الكثير من المهاجرين في قوارب الموت الذين لا تعلم عائلاتهم شيئًا عن مصيرهم، مما يتركهم عرضة للكثير من القلق والأسى. رغم ذلك فإن أسراب الهجرة سواء من خلال البرِّ أو البحر لا تتوقَّف إلا لتنطلق مجدَّدًا بصورة أقوى؛ إذ إن المتابع لمجموعات «الحراقة» عبر مواقع التواصل الاجتماعي يجد أن الظاهرة شديدة الانتعاش والانتشار، ولا يُستثنى من الفئات المعرَّضة لها حتى النساء والأطفال.

«لا نشجِّع على الهجرة.. بل نحمي المهاجرين»!

في حوار لـ«ساسة بوست» مع أحد صناع المحتوى على موقع «يوتيوب»؛ حدَّثنا الشاب بدر الدين صاحب قناة «badro dz» عن ظروفه الاجتماعية التي كان يعيشها في الجزائر، وعن الأسباب التي دفعته إلى سلوك هذه المغامرة الخطيرة: «بصفتي شابًا جزائريًّا – وأتكلم عن نفسي فقط – فإن الشيء الذي دفعني للهجرة هو أنِّي شاب محب للسفر والمغامرات، ولديَّ الكثير من الطموح في رياضتي التي لا تقدِّم لها الدولة أي التفاتة (ألعاب القوى)، أنا عدَّاء اختصاص مسافات طويلة، وتعرضنا للكثير من التهميش فبدأت أبحث عن طريقة لتنميتها، وإظهار موهبتي والتي لا أظنُّ أحدًا يهتم بها على عكس الدول الأوروبية أو الدول النامية».

«أملك منزلًا خاصًّا وسيارة وراتبًا، ورغم ذلك فضَّلت الهجرة غير الشرعية»

يكمل بدر الدين: «طلبت تأشيرة من أجل السياحة والسفر والمشاركة في ملتقيات رياضية، بأموالي الخاصة لكن للأسف كل مرة تُرفض لأكثر من أربع أو خمس مرات؛ مما جعلني آخذ الطريق الثاني وهو الهجرة غير الشرعية، مع العلم أنِّي ضد الحرقة في قوارب الموت، والسبب الرئيسي لهجرتي بطريقة غير قانونية؛ هو فقط عدم حصولي على التأشيرة بطريقة قانونية».

أما عن ظروفه الاجتماعية ومستواه الاقتصادي؛ فقد أكَّد بدر الدين لـ«ساسة بوست» أن هذا النوع من الهجرة لم يعد مقتصرًا على المعدومين أو ذوي الظروف الاجتماعية الصعبة: «بالنسبة لظروفي الاجتماعية فهي جيدة للغاية، أنا ممرِّض متقاعد من الجيش الوطني الشعبي بإصابة، ولديَّ معاش تقاعدي كل شهر، وأملك سيارة، كما لدي بيت خاص الحمد لله». 

Embed from Getty Images

قناة بدر الدين واحدة من مئات القنوات التي تنشر محتويات تحكي تجارب المهاجرين عن طريق البرِّ والصعوبات التي واجهوها والمخاطر التي تخطُّوها في كل دولة عبروا من خلالها إلى دول شرق أوروبا، وعند سؤاله عن الدافع من نشر محتوى مماثل، أخبرنا بدر الدين بأن هذا المحتوى ليس من باب التحريض على الهجرة أو دفع الشباب نحوها.

«كل محتواي هو رواية الطريق التي سلكتها، وكيف كانت من أمور جيدة أو عكس ذلك، والهدف الثاني من المحتوى الذي أقدمه، هو أنني لاحظت وجود الكثير من الشباب يقومون بالهجرة غير الشرعية عن طريق البحر، وأنا دائمًا ضد ذلك، ولا أقدِّم أي محتوى عليه».

ويضيف: «يجب أن يعلم الجميع أن الكثير من الشباب، وحتى العائلات، تأخذ سبيلها للهجرة غير الشرعية عن طريق تركيا، فأنا أصنع محتوى يكون بمثابة حقيبة يحتاجها هؤلاء الشباب في طريقهم، لكي لا يقعوا في المخاطر، مثل التعرض للموت أو الدخول للسجن، ذلك يعني أنه من الأفضل أن يأخذ النصائح للتقليل من الحوادث في الطريق، وأنا مقتنع بذلك لأنِّي لا أستطيع منعهم من الهجرة، لكن أستطيع تحذيرهم ومساعدتهم ونصحهم»  

وحول سؤاله إن كان لا يجد أن المحتوى الذي يقدِّمه قد يشجِّع بعض الشباب على سلوك طريق الهجرة غير الشرعية الخطير الذي يودي بحياة الكثيرين؟ يرى بدر الدين أنَّه لا يشجِّع عليها، بل هو فقط يحاول حماية من اتخذوا قرارهم بالفعل، ليساعدهم على تجنُّب أخطار الطريق: «لم أفكر في ذلك لأنني أعلم جيدًا نوع المحتوى الذي أقدمه، فهو ليس تحريضًا أو حثًّا الشباب على الهجرة، إنما معلومات وحقيبة من النصائح التي تساعده، أنا وضعي الاجتماعي جيد، لست بحاجة للمال وللعلم أنا فقط لدي تجربة في هذه الطريق، أنصح الجميع ماذا يتفادون وماذا عليهم فعله».

تكنولوجيا

منذ 3 شهور
8 تطبيقات مفيدة لا غنى عنها للمهاجرين واللاجئين

كيف أثَّرت جائحة كورونا في طريق الهجرة؟ وهل عادت موجات المهاجرين مرة أخرى بعد الجائحة؟ يقول محدِّثنا إنها عادت بقوُّة لأن الجائحة سهَّلت الطريق: «لأكون صريحًا معكم، الحرقة في هذا الوقت تعرف ارتفاعًا غير عادي، وجائحة كورونا ساعدت كثيرًا الهجرة غير الشرعية بسبب ضعف الحراسة على الحدود. هدفي الرئيسي من المحتوى الذي أقدِّمه ليس أكثر من أن أترك بصمة في مساعدة «الحراقة» وإرشادهم من أجل الابتعاد عن الكثير من الأمور السلبية في الغربة، وأيضًا تصحيح الصورة السيئة عن الشاب الجزائري».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد