1,834

منذ أيامٍ قليلة استطاعت الأغنية الإسبانية ديسباسيتو «Despacito» أن تحقق شهرة عالمية واسعة، بل أن تكسر حاجز 2 مليار و500 مليون مشاهدة حول العالم على موقع يوتيوب؛ محطمة بذلك الرقم القياسي الذي حققته الأغنية الكورية جانجام ستايل «Gangnam style» لمغني الراب الكوري ساي، والتي استطاعت أن تتربع على عرش اليوتيوب منذ عام 2012 حتى الآن.

وفي السنوات الأخيرة أصبح اليوتيوب مقصدًا للفنانين حول العالم ومقياس تُقاس عليه شهرتهم؛ فمنذ إختفاء شرائط الكاسيت التي أصبحت الآن تراثًا، وظهور عصر الإسطوانات المدمجة والمواقع التي تمكنك من الاستماع إلى أغنيتك المفضلة عبر ضغطة زر، اختلفت الموازين التي كانت في السابق هي المقياس لنجاح أية أغنية، وتربع اليوتيوب على العرش منذ ظهوره في عام 2005، ليصبح الآن أحد أهم المواقع في الفضاء الإلكتروني، بل يتم استخدامه من قبل الفنانين للوصول إلى القاعدة العريضة من قلوب الجماهير.

اليوتيوب جزء من تاريخ الشبكة العنكبوتية

بدأت قصة اليوتيوب عن طريق ثلاثة موظفين يعملون في شركة باي بال «PayPal» التي تسمح بتحويل النقود عبر الإنترنت، وهم تشاد هيرلي، وستيفين شين، وجاود كريم، الذين علموا أن هناك موقعًا شاغرًا يسمح بتحميل الفيديوهات عبر الإنترنت ومشاركتها في الفضاء الإلكتروني، وهو الأمر الذي شجعهم لاقتناء الموقع وتم تسجيله باسم يوتيوب في شهر فبراير (شباط) من عام 2005، وعملوا على تطويره من داخل جراج في مدينة مينلو بارك (Menlo Park) وهي إحدى مدن ولاية كاليفورنيا، وفي شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من نفس العام تم تمويلهم بمبلغ وصل لـ 3.5 مليون دولار من شركة سيكويا كابيتال، وهي إحدى شركات الاستثمار الأمريكية المعنية بالتكنولوجيا.

استطاع يوتيوب أن يجذب القاعدة العريضة من الجماهير في البدء عن طريق التركيز على المراهقين وطلبة الجامعات وصانعي الأفلام والهواة، بل وصل الأمر بهم إلى منح جائزة عشوائية كل يوم لعضو من أعضاء الموقع، عبارة عن آيبود نانو (IPod Nano)، واستمر منح هذه الجائزة شهرين كاملين، وكانت تُمنح للأشخاص الذين يقومون بتسجيل أغنيات على الموقع، أو بدعوة الآخرين إليه لمشاركة فيديوهاتهم عليه؛ مما جذب قاعدة عريضة من الشباب والهواة.

كان هذا الفيديو من حديقة الحيوانات، والذي قام بمشاركته جاود كريم، أحد المالكين للموقع، وهو أول فيديو يتم طرحه على موقع يوتيوب؛ ليحصد اليوم بعد أكثر من 12 عامًا 40 مليون مشاهدة، ويصبح واحدًا من أكثر الفيديوهات شهرة على الموقع، ولكن كيف أصبح اليوتيوب أداة للربح؟

اليوتيوب هو موقع مجاني لكل مستخدميه، ولكن هذا لا يمنع أن الموقع ذاته يجني مليارات الدولارات عن طريق استخدامه كأداة إعلامية، فأصبح لديهم العديد من الشراكات مع شركات متعددة، وكانت مجموعة وارنر الموسيقية (Warner Music Group) من أوائل الشركات الموسيقية التي تتخذ من اليوتيوب منفذًا لنشر تسجيلاتها؛ ولكن هذا لم يمنع الكثيرين من توجيه اتهامات لموقع يوتيوب بانتهاك حقوق الملكية للكثير من المصنفات، كان من بينهم الملياردير مارك كوبان «Mark Cuban» والذي قال إن كل من يشاركون في هذا الموقع هم مجموعة من الحمقى.

«بيزنس» الفضاء الإلكتروني

على الرغم من أن الموقع لم يكن يهدف في البداية إلى الربح بقدر هدفه لجذب قاعدة عريضة من الجماهير، إلا أن التزايد المستمر في عدد المستخدمين والمشاهدات قد ساعدت لأن يصبح الموقع هو شركة ربحية، ومع تغير مفردات العصر ليصبح اليوتيوب بديًلا لنسخ شرائط الكاست ومشاهدة التليفزيون، تغيرت أيضًا مفردات تعامل المستخدمين مع الموقع، بجعلهم شركاء في تلك العملية الربحية؛ وبدأت تظهر مهنة جديدة على الساحة «يوتيوبر» وهو الشخص الذي يستطيع أن يكسب الأموال عن طريق اليوتيوب.

إن قمت بعمل بحثٍ بسيط على الفضاء الإلكتروني عن كيفية كسب الأموال عن طريق اليوتيوب، فستجد آلاف الإرشادات عن كيفية إدارة حسابك على الموقع بهدف الربح، بعضها إرشاداتٍ تسويقية، والبعض الآخر عن تجارب الآخرين، وكيف نجحوا بالفعل في اقتحام عالم الإنترنت وجلب الدولارات، كيف تستغل موهبتك أو معلوماتك؟ هي الطريقة المثلى التي يقدمونها، ولكن نقود الإعلانات على عدد مشاهداتك وحدها ليست كافية للثراء، فطبقًا لموقع Entrepreneur أنت تجني فقط من اثنين لثلاثة دولارات عن كل ألف مشاهدة، وهو ما يعني أنك ستحتاج مليون مشاهدة ليصلك ألف دولار، ولكن هناك طرق أخرى للاستثمار في يوتيوب، منها بيع منتجاتك على شوبيفاي (Shopify)، وعرض منتجاتك عليه مع ربطها بقناة خاصة باليوتيوب، وعمل فيديوهات بطريقة شيقة.

أما الطريقة الأخرى، فهي أن تجعل لقناتك الخاصة على يوتيوب جمهورها الخاص، وأن تؤسس اسمًا يبحث عنه الفرد العادي في محرك البحث من أجل الوصول لمؤسستك، والطريقة الأخيرة هي أن تجذب إليك الشركات الراعية والمعلنين وتكسب ثقتهم، لتضع علاماتهم التجارية على فيديوهاتك الخاصة، ليصبح بذلك اليوتيوب مؤسسة متكاملة، يمكنك أن ترسم من خلالها مستقبلًا خاصًا حتى وإن لم يهدف للشهرة.

يوتيوب صانعًا للنجوم

«عشرة أعوامٍ قد مرت على فيديو رجل يقف في حديقة حيوانات ينظرُ لبعض الفيلة؛ ليعلن عن إطلاق يوتيوب أول موقع يتيح لمستخدميه نشر ومشاركة فيديوهاتهم، وعلى الرغم من ذلك إلا أن شهرة يوتيوب الحقيقية لم تأت من أشياء عجيبة ومضحكة يفعلها الأشخاص في فيديوهاتهم، ولكنها جاءت من خلال الموسيقى».

 هذا ما قالته «دايسي ويات» في مقالها عن يوتيوب على موقع إندبندنت، مُعلقة عن أن أشهر فيديوهات الموقع تلك التي حققت عدد مشاهدات قياسية تعدت المليار مشاهدة، كانت كُلها فيديوهاتٍ موسيقية، وهو المثير للجدل حقًا أن يصبح أشهر موقع فيديو في الفضاء الإلكتروني موقعًا «سماعيًا» يصلنا منه الموسيقى والغناء من كل دول العالم.

فبعد عصرٍ كانت الموسيقى العالمية تصل إلينا عن طريق التجارة أو من خلال العائدين من السفر بالخارج، أصبحنا الآن نصل إليها عن طريق ضغطة زر، وكأن العالم أصبح ضاحية واحدة في مدينةٍ صغيرة؛ وأصبح موقع الفيديو يوتيوب هو قِبلة الهواة من كل أنحاء العالم، يستخدمونه لجني بعض الشهرة والمال، وقد ساهم اليوتيوب في جعل بعضهم بالفعل أكثر شهرةً وثراءً.

كان من بين هؤلاء الهواة نجومًا تحققوا بعد أن حققت فيديوهاتهم الموسيقية آلاف المشاهدات، ويأتي على رأسهم جاستن بيبر (Justin Bieber)، والذي كان طفلًا حينذاك عندما تم نشر فيديو له وهو يغني أغنية «Falling» للمطربة إليسيا كيز (Alicia Keys).

حققت الأغنية شهرة واسعة لجاستين، الأمر الذي جعل شركة تسجيلاتٍ فنية كبيرة تسعى لإبرام تعاقد معه قبل أن يبلغ الـ18 من العمر، والجدير بالذكر أن جاستين بيبر نفسه قد ساهم في شهرة المغنية الكندية «كارلي راي جيبسون» بنفس الطريقة التي اشتهر بها، فقد قام بنشر تغريدة على موقع التواصل الاجتماعي تويتر تحتفي بأغنيتها «Call Me Maybe»؛ الأمر الذي أدى إلى زيادة عدد الزوار لأغنيتها على موقع يوتيوب، لتسير على نفس درب جاستين محققة شهرة واسعة خارج نطاق بلدها الأم كندا.

تكرر الأمر مع العديد من الفنانين مثل «Susan Boyle»، تلك التي اشتهرت بين ليلة وضحاها بعد أن اشتركت في برنامج اكتشاف المواهب «Britain’s Got talent»، وتم نشر أغنيتها على موقع يوتيوب.

كانت سوزان حينها في السابعة والأربعين من العُمر، ربة منزل اشتركت في برنامج لكشف المواهب، وغنت أغنية «I dreamed a dream» من فيلم البؤساء، لتصبح بعدها نجمة اليوتيوب الجديدة، وتسعى شركات الإنتاج للتعاقد معها.

من «جانجام ستايل لـ ديسباسيتو».. تخطي الأرقام القياسية

أن يصبح يوتيوب أداةً للشهرة هو أمر يتحقق كل يوم، ولكن أن تتخطى تلك الشهرة حدود المعقول لتصبح هناك أرقام قياسية لها، يتم تحطيمها ويسعى إليها الفنانون كمقياس يقيس مدى شهرتهم واتساعها، فإنه سباق القوة. فقد احتاجت أغنية جانجام ستايل للمغني الكوري ساي إلى خمس سنوات قبل أن يستطيع أي فيديو غنائي آخر تحطيم الرقم القياسي الذي حققته في عدد المشاهدات، والذي تخطي المليارين وثمانية ملايين مشاهدة، قبل أن تتمكن أغنية ديسباسيتو للمغني البورتوريكي لويس فونسي، ومغني الراب دادي يانكي من التربع على عرش اليوتيوب في ستة أشهرٍ فقط لتحقق رقمًا قياسيًا جديدًا.

الأغنية الصادرة في يناير (كانون الثاني) 2017 لم تكسر حاجز المليار قبل أن يعطيها جاستن بيبر دفعة صغيرة، حيث قام بعمل ريمكس لأغنية ديسباسيتو مع مغني الراب دادي يانكي في إبريل (نيسان) الفائت، وهو ما قام بنقل الأغنية إلى مستوى آخر وجمهورٍ جديد؛ فتم بيع أكثر من مليون و200 ألف نسخة منها، واحتلت الصدارة في أكثر من خمسين دولة، لتصبح أغنية صيف 2017 المفضلة، بل وتحدث انتعاشة نوعية للاقتصاد في مدينة بورتوريكو، حيث تم تصوير فيديو الأغنية على سواحل المدينة، مُستعرضًا مبانيها وطبيعتها، وهو الأمر الذي أدى لازدياد نسبة السياحة بالمدينة إلى 40%، بل أصبحت أماكن التصوير نفسها مزارات سياحية.

والجدير بالذكر أن الأغنية تم غناؤها بواسطة معجبين في العديد من البلدان، وبعضهم استعرض حركاته الراقصة على أنغامها واستطاعوا بذلك أن يحصدوا على يوتيوب ملايين المشاهدات.

إنه استثمار الشهرة لحصد شهرة، وهي طريقة أخرى لتصبح مشهورًا على موقع الفيديوهات الشهير، والتي ستجدها بين مئات الموضوعات التي تتحدث عن كيف تصبح مشهورًا بين ليلة وضحاها، ليصبح اليوتيوب أداة شهرة ليس للفنانين الهواة فقط، أو هؤلاء الذين نالهم جزء بسيط من الشهرة في بلدهم الأم، ولكن أيضًا لكل من يجيد استخدام الحدث الجديد، ليصنع من خلاله فرصته.