«لا أتذكر وجوه بعض أفراد أسرتي، ربما شقيقي الصغير فحسب. لذلك، إذا كان يراني عبر شاشة التليفزيون أريده أن يعلم أنني هنا من أجله، من أجل دفع تذكرة سفره ليكون هنا معي».* لاعب الجودو الكونغولي اللاجئ، «بوبل ميسنجا»، المشارك في «أولمبياد» 2016.

وصفتها صحيفة «الإندبندنت» الإنجليزية، بأنها صاحبة أكثر القصص روعة وغرابة، من ضمن كل المشاركين في دورة «ريو دي جانيرو» للألعاب الأوليمبية لعام 2016؛ إنها السباحة السورية «يسرى مارديني».

حين بدأت مشاركتها أمس السبت في الأولمبياد، خطفت «يسرى» قلوب المشاهدين؛ إذ كان الجميع يهتفون لها، ويشجعونها، وكأنها بطلة عالم سابقة، لها ملايين المعجبين حول العالم، فإذا رأى شخص لا يعرف قصة يسرى، سيندهش من تفاعل الجمهور مع تلك الفتاة ذات الـ18 ربيعًا، القادمة من بلاد الحرب والدمار، والتي لا تشارك في الأولمبياد حتى تحت علم وطنها، وإنما تحت علم البعثة الأوليمبية للاجئين.

استطاعت يسرى أن تقدم أداءً متميزًا في ظهورها الأول، واحتلت المركز الأول في مجموعتها وسط هتافات الجمهور الصاخبة لها، في منافسات الـ (100 متر فراشة)، لكنها لم تستطع عبور التصفيات، بعد حلولها في المركز الـ41 في المجمل، من حيث توقيت جميع المتسابقات.

لكن ستكون أمام يسرى، التي كسبت قلوب الجماهير فرصة جديدة يوم الأربعاء القادم؛ حين تشارك في تصفيات (الـ100 حرة)، على شرط أن تحقق واحدًا من أفضل 16 زمنًا، لتتمكن عبر ذلك، من التأهل للأدوار النهائية.

كيف كسبت السباحة السورية كل هذا الحب؟

كانت «سارة» شقيقة يسرى، ذات الـ20 ربيعًا، تقول إن كل شيء كان جيدًا، قبل اشتعال الحرب في سوريا. في الواقع لم تعرف سارة أن تلك الحرب المشتعلة، ورحلة الفرار المروعة من نيرانها لموطن آمن على الضفة الأخرى من العالم، ستكون سببًا في تحويل شقيقتها لنجمة عالمية، يتابعها الجميع عن كثب ويهتفون لها، كما لم يهتفوا من قبل، لم تكن سارة تعلم أن كل شيء سيصير أفضل بكثير؛ بسبب تلك الحرب.

مع وصول الحرب واليأس إلى ذروتيهما، فرت الأختان «مارديني» من دمشق؛ بحثًا عن الحياة في أغسطس (آب) من العام الماضي. سافرتا إلى لبنان، ومن ثم إلى تركيا، مثل العديد من السوريين، الذين يحاولون كل يوم الهروب من الحرب الطاحنة الدائرة على أراضيهم، التي حولت حياتهم لكابوس، وقد ينجحون في رحلتهم البحرية أو يغرقون، ويطويهم النسيان.

غادرت سارة ويسرى الأراضي السورية. في المحاولة الأولى تمكن خفر السواحل التركية أن يُفشل هربهما، أما المحاولة الثانية الخطيرة فكانت مفتاح الحياة.

سافرت الأختان إلى لبنان، وانطلقتا إلى تركيا، ودفعتا الأموال للمهربين؛ أملًا في الوصول لليونان، سافرا على متن قارب مطاطي لا يستطع أن يتحمل سوى ستة أفراد، لكن المهربين وضعوا فيه 20 شخصًا، بغية زيادة الربح، مع العلم أن أغلب الفارين، لم يكونوا مجيدين للسباحة.

في الرحلة الخطيرة بدأت المياه تضرب القارب، وتتسرب إلى داخله، لقد كان غرق المركب بعد 30 دقيقة نتيجة حتمية. قامت يسرى وشقيقتها بالقفز في البحر، بغية أن يظل القارب طافيًا على سطح المياه، حيث أمسكت السباحتان في الحبال المتدلية من جوانب القارب، محاولتين دفع المركب، لأكثر من ثلاث ساعات، حتى وصل القارب المتهالك إلى شاطئ جزيرة «لسبوس» اليونانية، ومن ثم قطعت الأختان رحلة برية طويلة للنمسا، ومنها إلى ألمانيا.

كان النجاح في إنقاذ 20 لاجئًا سوريًا وصوماليًا، هو بوابة الحياة الجديدة الحافلة بالشهرة وحب الجميع، ومتابعة ملايين الناس حول العالم.

حين وصلت الشقيقتان إلى برلين، وبعد وقت قصير، حاولت كل منهما أن تحيي الأحلام القديمة من جديد، ففي عهدهما الأول بدمشق، كانت يسرى قد أحرزت لقب بطولة سوريا في مسابقات 200 و400 متر سباحة حرة، وكذا في سباق 100 و200 متر فراشة، وبخلاف ذلك كانت حاضرة في دورة الألعاب الآسيوية عام 2012، وشاركت في نفس البطولة للمسافات القصيرة بتركيا.

وبالفعل حالف التوفيق الشقيقتان؛ إذ قامت جمعية خيرية بإدخالهما نادي سباحة قريب من مخيم اللاجئين، الذي يُدعى«WasserfreundeSpanddau 04».

وتمكنت يسرى بعد ذلك من تحقيق حلم أقرب للمستحيل؛ فقد تمكنت من الانضمام لفريق أنشأته لجنة الأولمبياد للمرة الأولى، وهو فريق اللاجئين؛ ليشارك في أولمبياد ريو دي جانيرو.

فقد حالف التوفيق يسرى للغاية، حين قال رئيس اللجنة الأولمبية، توماس باخ «في ظل حرمان هؤلاء اللاجئين من تشكيل فريق وطني، وفي غياب علمهم ونشيدهم الوطني أيضًا، نرحّب بهم للمشاركة في الألعاب الأولمبية، وسنضمهم تحت علمنا، ونشيدنا الأولمبي. هكذا سيكون لهؤلاء منزل يشاركونه مع 11 ألف رياضي».

كانت يسرى تعد لهذا الحلم منذ أن كان عمرها عشر سنوات، فقد علمها والدها السباحة منذ أن كانت في الثالثة من عمرها. تقول يسرى «المياه هي المكان المناسب كي أنسى كل شيء».

يسرى التي وجدت موطنًا جديدًا لأحلامها، حيث تعيش في برلين مع أمها وأبيها وشقيقتها الصغرى، تقول إنها تفتقد سوريا بشدة، وتريد أن تحقق إنجازًا تفتخر به عائلتها ومن ساعدوها.

مخاوف تلاحق يسرى

كل ما يخشاه المعجبين بقصة كفاح يسرى، هو انسياقها وراء الأضواء، فمنذ أن عُرفت قصة يسرى مارديني، الفتاة الجميلة الماهرة المجيدة للغة الإنجليزية بطلاقة، التي أنقذت 20 لاجئًا بشجاعتها، كُتب عنها مئات المقالات بمختلف لغات العالم، وتم التعامل معها كبطلة، تمثل أحلام اللاجئين وأحلام سوريا.

تلقت يسرا مارديني منذ ذلك الحين أكثر من 1000 طلب؛ من أجل إجراء مقابلة صحفية معها، وأرسلت لها فتاة إيطالية ذات مرة تخبرها بأن عليها واجب منزلي مفاده كتابة مقال عن يسرى، كما أن هوليود قررت إنتاج فيلم سينمائي يحكي قصة كفاح وبطولة يسرى مارديني.

وكانت محطة تليفزيونية كبرى، قد طلبت تخصيص كاميرا لمتابعة رحلة يسرى للأولمبياد، ولكن مدربها «سبانكربس»، قد رفض ذلك بشدة؛ لحمايتها من وهج الإعلام، وما قد يصيبها نتيجة الأضواء المكثفة عليها، وقد يتسبب في انحراف مسيرتها بالكامل.

تقول يسرا «لقد كرهت الأمر في بعض الأحيان، الضغوط كانت هائلة.. الكثير من الناس يعتبروني مصدر إلهام، ولا أريد أن أخيب أملهم. المهاجرون ليسوا فقط ضحايا، يمكننا أن نفعل شيئًا ما، ونحقق شيئًا ما».

«ستيفين سبانكيربس»، مدرب يسرى، مؤمن بها بشدة، ومتفائل جدًا بمستقبل مسيرتها، ويقول «الإصرار هو ما قد يقودها إلى الفوز في الأولمبياد، على الرغم من أن هدفنا عندما بدأنا التدريبات، كان الوصول إلى أولمبياد طوكيو 2020، الذي ما زال هدفنا على المدى الطويل».

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد