«يميل المهندسون المعماريون اليوم إلى الانتقاص من قدر أنفسهم، حتى وصلوا إلى اعتبار أنفسهم مواطنين عاديين لا يمتلكون القدرة على تشكيل وتطوير المستقبل»، يقول المعماري الياباني كينزو تانجـِه، الحائز على جائزة بريتزكر، وأحد أهم معماريي القرن العشرين.

الرابع من أبريل (نيسان) لعام 2004

على ضفاف نهر نيفا، وفي المساحة الضخمة المتلألئة بالأضواء الساطعة، المسلطة على المباني المُشكِّلة لما يعرفه الجميع بمتحف الأرميتاج، أحد أضخم وأهم متاحف العالم، وداخل إحدى قاعاته، جلس الحضور من ذوي الياقات البيضاء ممن تم انتقائهم بعناية، ودعوتهم من جميع أنحاء الأرض، ممثلين لنخبة الهندسة المعمارية العالمية، ومنصتين لخطاب قصير من «توماس بريتزكر»، رجل الأعمال الأمريكي وأحد أعضاء العائلة التي أوجدت الجائزة الأهم في عالم الهندسة المعمارية، والمعروفة بكونها جائزة نوبل للمعماريين، والممنوحة قبلًا لأساطير عالم المعمار في القرن العشرين ككينزو تانجـِه، وفرانك جيري، وجون أوتزون وغيرهم.

 

 

كانت احتفالية هذا العام خاصة، مكانًا وزمانًا، فأقيمت في الأرميتاج الذي يحوي المجموعة الفنية الأكبر في العالم ويشكل قبلة أساسية للفن، وفي سانت بطرسبورغ، المدينة التي هندسها بشكل رئيس المعماري التاريخي «دومينيكو تريزيني»، نصف الإيطالي ونصف السويسري، وصاحب البصمة المعمارية الكبيرة والتأثير على جيل معماريي القرنين الـ18 والـ19، وزمانًا لأن الجائزة ستذهب أخيرًا لتكريم أحد أهم رموز المعمار الحديث، ولأول امرأة بعد عقود من احتكار المهندسين الرجال لها.

بعد دقائق، سيمسك توماس ميدالية بريتزكر الشهيرة، وسيطلب من العالمية «زها حديد» الصعود للمنصة، وسيقلدها إياها في تكريم لخص مسيرة طويلة وملهمة منذ سبعينيات القرن الماضي.

أول أمس، وعن عمر يناهز 65 عامًا، رحلت زها حديد عراقية المولد وبريطانية الجنسية، إثر أزمة قلبية مفاجئة، أثناء وجودها بمستشفى بميامي الأمريكية، رحلت بروفيسورة التصميم المعماري السابقة في جامعة هارفارد، في كرسي الأستاذية الخاص بكينزو تانجـِه، وأستاذة كلية الفن المعماري الخاصة بالجمعية المعمارية اللندنية AA، إحدى أفضل كليات المعمار عالميًا، وفي جامعات أخرى كشيكاغو وبيل، والتي تحتوي عشرات المدن العالمية على مبانٍ ومشاريع تحمل بصمتها الخاصة، تاركة أثرًا لا يمحى، وصيت عالمي، وسيرة ذاتية تستحق الذكر.

بداية الرحلة

هناك 360 درجة، لماذا علينا أن نتمسك بواحدة فقط؟

لعل عبارة زها هذه تمثل فلسفتها الحياتية على مر العقود الأربعة السابقة، فالمعمارية الفريدة التي انتهجت في بدايتها، في سبعينيات القرن الماضي، نهجًا جديدًا من نوعه وغير مألوف، أثار حفيظة مجتمع المعمار الأوروبي، بدا وكأن حياتها كلها على هذه الشاكلة، تخرج عن الأنماط المحدودة، وتثور على المألوف، ولا تلتزم بخط مفردٍ أو درجة واحدة.

بعد أن أنهت الفتاة اليافعة ابنة محمد حديد، أحد محركي السياسة العراقية في الستينيات، دراستها للرياضيات بالجامعة الأمريكية في بيروت، انتقلت إلى لندن في عام 1972 لتتبع شغفها، وتبدأ دراسة المعمار في كلية الجمعية المعمارية، مستلهمة خُطا والدتها فنانة الموصل، وجيهة الصابونجي، ولتدرس على يد اثنين من أفضل المعماريين العالمين، ريمينت كولهاس، واليوناني الشهير إيليا زينيليس، واللذين كانا أول من تلقى شكرها وامتنانها لهما، أثناء خطابها في احتفالية تسلمها للبريتزكر، قائلة «فهمهما للهندسة المعمارية وحماسهما لها كانا حاسمين في إشعال طموحي، وتشجعيهما المستمر علمني أن أثق في أكثر خطوطي غرابة».

بعد تخرجها، ومنذ عام 1977 إلى بداية العقد الثمانيني، عملت زها كشريكة لريمينت وإيليا في مكتبهما المعماري الشهير (OMA)، وكان من النادر أن يُعين خريجٌ حديثٌ كشريك مباشر في كيان شهير، أيًا كان مجال عمله، لكنها أثبتت موهبتها على مدار سنوات دراستها في لندن، بتصاميمها شديدة الغرابة والتفرد، بدءً من تصميمها لفندق مبني بأكمله على جسر هانجرفورد الحديدي الضيق، متأثرة بالهندسة التجريدية لفنان القرن الـ19، كازيمير ماليفيتش، وكان مشروعها كطالبة في السنة الرابعة مطلقة عليه «تيك تونيك ماليفيتش»، ومرورًا بتصميم لمتحف القرن ال 19 في عامها الدراسي الخامس، وهو التصميم الأول الذي ظهر فيه خيالها وخطوطها الحادة والغريبة، وانتهاءً بتصميمين آخرين قبل تخرجها واتجاهها إلى شراكة أوما.

 

عانت زها في بدايتها من عدم تنفيذ الكثير من تصميماتها، إما لدواعٍ سياسية، أو تعثرات مالية لبعض مالكي المشاريع، أو لجنوح تصميماتها إلى درجة الجزم بأنها غير صالحة للتنفيذ الواقعي، في هذه الفترة صممت زها عددًا من المشروعات التي مثلت علامات تصميمية حينها، أهمها مشروع منتجع جبل فيكتوريا، بهونج كونج، وقت أن سعت الدولة لتطوير أحد أهم مزاراتها السياحية، «جبل فيكتوريا»، فقررت طرح مسابقة عالمية لتصميم منتجع يعيد تشكيل هذه المنطقة.

في عام 1982 تقدم عدد من مكاتب المعمار العالمية للمسابقة بتصميمات مختلفة، لكن أكثرهم خيالًا وغرابة كان تصميم زها، الذي اعتمد على أحد آثار ماليفيتش مرة أخرى، ففازت بالمسابقة لتكون بوابتها لشهرة عالمية، وسمعة واسعة في عالم المعمار، وإن لم ينفذ التصميم بسبب تعقيدات عودة هونج كونج لجناح الهيمنة الصيني بعدها بفترة.

توالت أعمال زها من لندن وباريس إلى هامبورج وبرلين بلا تنفيذ واقعي، حتى أتى العام 1986 ليشهد بناء أول مشروع حقيقي من بنات أفكارها، كثمرة لجهد منظمة المعماريات النسوية الألمانية (FOPA)، التي ساهمت بشكل كبير في إدخال زها إلى برنامج البناء المعماري السنوي لبرلين (IBA)، ومن ثَم تنفيذ ثلاثة مبانٍ منها محطة إطفاء مدينة «فايل آم راين».

إلى عالمية بريتزكر

كل ما يتوقع مني، كامرأة، هو أني أريد لكل شيء أن يكون ناعمًا، وأن أكون لطيفة أنا أيضًا، وهو تفكير بريطاني أصيل، أنا لا أصمم مبانٍ ناعمة ولا أحب هذه المباني عمومًا، أحب الهندسة المعمارية التي تحتوي على بعض من أصالة وبدائية العالم، الفظة، الحادة، والحيوية أيضًا.

عندما ظهرت زها حديد على ساحة الهندسة المعمارية، الشبيهة بالشطرنج، حيث يسيطر عليها الرجال تمامًا، كان من أهم التحديات التي واجهتها بمرور السنين أنها امرأة، ما جعل من قبول المجتمع المعماري لها صعبًا، فضلًا عن تميزها بالجمع بين الحدية التصميمية والتنافر في الخطوط، وبين الانسيابية في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، الوقت الذي كان فيه النمط المعماري العالمي العام ممثلًا لمدرسة ما بعد الحداثة، المعتمدة بشكل كبير على تكرار الخطوط وحدتها فقط، فيما عرف بالاتجاه التفكيكي المعماري، حيث احتلت المكعبات والمستطيلات القيمة الجمالية التي كانت تحتلها الزخارف قبلًا.

 

ضربت زها بالتحديين عرض الحائط، فنجحت من جهة في فرض اسمها كأول معمارية تحظى بهذه الشهرة في هذا المجال، إلى حد تصنيفها بين أهم معماريي العصر الحديث، وهو ما حدا بمجلة فوربس لإدخالها ضمن تصنيفها السنوي لأقوى 100 امرأة في العالم، لعام 2008، وضمن قائمة Time أيضًا لأكثر 100 مفكر تأثيرًا في العالم في 2010.

من جهة أخرى كان هذا النجاح نتيجة لعبورها التحدي الرئيس، المتمثل في تقبل العالم لتصاميمها، فاستمر طريقها من ألمانيا إلى العالم، فخرجت من تحت يدها مشروعات تقليدية بصورة مبتكرة، كساحة وقوف السيارات الضخمة في هوينهيم بفرنسا، والمقر الجديد لمركز الفنون المعاصرة، روزنثال، بولاية أوهايو، أحد أول مراكز الفنون الحديثة في الولايات المتحدة، وتولت تصميم ملحق بمتحف أوردروبجارد الدنماركي، ومحطات مترو مقاطعة هنجربرج بمدينة إنسبروك النمساوية، وغيرها، لكنها امتلكت أيضًا مشروعات رئيسة رفعت أسهمها لهذه الدرجة.

في عام 2000، أقامت مدينة فولفسبورغ الألمانية مسابقة تصميم عالمية، كان الغرض منها اختيار تصميم لمركز المدينة الرئيس للعلوم، وتم وضع اشتراطات عديدة، أهمها أن يمثل تصميم المركز من الداخل مغامرة فريدة للزائرين، وفي نهاية المسابقة فاز تصميم ثوري قدمته زها، وكان على درجة عالية من الغرابة والاختلاف، وتم تنفيذه في خمس سنوات ليفتتح المركز في عام 2005، بتكلفة إجمالية بلغت ثمانين مليون يورو تقريبًا.

بعد فوزها بعام واحد وضعت زها بصمتها من جديد في أوروبا، ولكن هذه المرة في ستراسبورغ بألمانيا، حيث صممت محطة مترو أنفاق بجانبها موقف سيارات يسع 800 سيارة تقريبًا، بشكل يواكب هدف المدينة من تشجيع الناس على ترك سياراتهم والتنقل بمترو الأنفاق، وأصبحت المحطة فيما بعد من علامات المدينة الجمالية.

في بداية عام 2001 قررت بي إم دبليو، عملاق صناعة السيارات العالمية الألماني، إنشاء منطقة رئيسة لها تحتوي على مبنى أساسي وعدة مصانع، بتكلفة تتعدى المليار ونصف دولار، ولأن الإمبراطوريات الاقتصادية لا تتهاون في مثل هذه الأمور، أقامت الشركة مسابقة بين أفضل 25 مصمم عالمي لتصميم المبنى الرئيس، المقدرة تكلفته بـ60 مليون دولار.

كانت المنافسة محتدمة إلى أن حسمتها لجنة تحكيم «بي إم دبليو»، مقررة فوز تصميم زها حديد، «الثوري» كما وصفته اللجنة، بالعقد. وبالفعل تم تنفيذ البناء في أربع سنوات ليفتتح في 2005، بعد عام واحد من تقليد زها بأرفع جائز معمارية عالمية في روسيا، لتشهد الخمس سنوات الأولى من العقد السابق شهرتها التي طوت الآفاق.

ما بعد العالمية

أحاول دائمًا أن أكتشف، أبتكر إن شئنا الدقة، طرقًا جديدة في التصميم المعماري والتخطيط الحضاري، بطريقة معاصرة، عندما بدأت كنت أحاول أن أبتكر مباني تتألق في أماكنها كقطع مجوهرات معزولة، الآن أريد لكل هذه القطع أن تتصل، أن تشكل مشهدًا جديدًا ومختلفًا، وأن تحلق بجوار التطور الحضاري المستمر.

في يناير (كانون الثاني) لعام 2005، ذهبت زها إلى مدينة قوانتشو، إحدى أهم المدن السياحية الصينية، لتشهد وضع حجر الأساس لأحد أهم تصاميمها على مر مشوارها المعماري الفريد، التصميم الذي دخلت به، في عام 2002، مسابقة بينها وبين أستاذها السابق ريمينت كولهاس بنفسه، بينما طرف المسابقة الثالث شركة التصميم النمساوية الشهيرة، كوب هيميلب، وفي هذه المسابقة قدمت زها تصميمًا خلابًا بشدة تعدى حدود المنافسة، لذلك فازت بحق تصميم الأوبرا، إحدى أكبر ثلاث دور موسيقى في الصين بالكامل، والمقدر تكلفة بنائها بـ 200 مليون دولار تقريبًا.

تواصلت رحلة زها حديد فيما بعد بريتزكر لتصمم عددًا من أفضل وأجمل علامات المعمار العالمية، كجسر الشيخ زايد في أبي ظبي، والذي بدأ إنشائه في 2007 وتكلف 300 مليون دولار، وصممته زها على شكل كثبان رملية ليحمل روح المدينة الخليجية العربية، مكتسبًا سمعته بعد ذلك من كونه الجسر الأكثر تعقيدًا الذي تم تشييده على الإطلاق.

زها

في يوليو (تموز) لعام 2008 بدأت لندن في تشييد أيقونة منتزه الملكة إليزابيث الأوليمبي، وأحد أجمل مبانيه، مركز ألعاب لندن المائي، هذا المركز الذي استغرق إنشاؤه 4 سنوات، وتكلف ما يقارب ال 270 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 400 مليون دولار)، حمل البصمة الفاتنة أيضًا لزها، وجاء سطحه بالكامل على شكل موجة معدنية عملاقة لتناسب غرضه الأساسي، وصممته المعمارية العراقية العالمية في 2004، قبل أن تحصل بريطانيا على شرف تنظيم أولمبياد لندن 2012 الصيفي.

ومن لندن إلى أذربيجان، وتحديدًا في قلب العاصمة باكو حيث نجد بصمة أخرى من بصمات زها التي لا تعد، لنرى مركز حيدر عليف الثقافي، الذي نالت عنه زها جائزة متحف لندن لعام 2014. في هذا المشروع تحديدًا، وضعت زها في تصميمها لعام 2007 خبرة، وخلاصة 30 عامًا من التجارب، الفاشلة والناجحة، والمحلية ثم العالمية، عصارة تجربة كاملة من التصميم والتدخل المعماري في عشرات من مدن العالم، ويمكن تحديد نقطة عبقرية التصميم الأساسية في كونه صُمم ليظهر وكأنه يمتد من سطح الأرض، بانسيابية تجعله كأنه جزءً منها وليس بروزًا فوقها كأي مبنى آخر، وهو ما جعل زها نفسها تقول: «إن هذه الخاصية تمكن الناس من اعتباره بشكل لا واعي «منظرًا طبيعيًا وليس مجرد مبنى».

 

حملت زها في جعبتها، وهي راحلة مشوار عمر كامل، وعددًا ضخمًا من الجوائز تعدت الـ105 جائزة من حول العالم، وسمعة عالمية كإحدى أشهر المعماريات في التاريخ والأشهر على الإطلاق في العصر الحديث، وبصمات تصميمية خلابة في عشران المدن، وفهمًا عميقًا لما ينبغي أن يكون عليه المعمار، متحدًا مع الناس، منهم وإليهم، كما أكدت هي مرارًا على دور المعمار في الارتقاء الحضاري جنبًا إلى جنب مع البشر.

في نهاية عام 2012 أجرت شبكة «سي إن إن» الأمريكية الشهيرة، مقابلة مع زها. في هذه المقابلة حكت عن بدايتها في عالم المعمار، وعن سمعتها غير الجيدة كمصممة لا تغادر تصميماتها أوراقها أبدًا، الوصف الذي ظل ملتصقًا بها لعدة سنوات في البداية، وأنها لم تكن بريطانية أو أوروبية، ولم تكن تمتلك أية صلات أو علاقات مفيدة، كانت ظروفًا لا تساعد على نجاح أي شخص، لكنها فعلتها، بشغف التصميم الذي يتملكها، كما قالت، منذ أن كانت طفلة صغيرة تحت سن العاشرة، ولأنها تحدت كل ذلك فقد نجحت.

في 2012 جلست مقدمة برنامج «نساء رائدات» على شبكة «سي إن إن»، لتخبر العالم عن زها، ولتتكلم عن مصممة إحدى أيقونات الألعاب الأوليمبية التي يشاهدها أكثر من مليار شخص حول العالم، وأنه حينها عرف عشرات الملايين من هي زها حديد، المعمارية التي تخطت شهرتها ما هو متعارف عليه في هذا العالم، والتي أتت ورحلت تاركة بصماتها التي لن تمحى.

وللاطلاع على الأعمال الكاملة لزها حديد، من هنا

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد