يزخر تاريخ المغرب بالكثير من حكايات الحب والزواج المميزة التي حفظها التاريخ؛ ومنها حكايتان كان لهما حضور قوي للغاية عند المؤرخين، تتعلق الأولى بقصة أحد أشهر ملوك الطوائف، وهو المعتمد بن عباد وزوجته الشاعرة اعتماد الرميكية، فيما تحكي الثانية علاقة أمير دولة المرابطين يوسف بن تاشفين بزوجته زينب النفزاوية.

وفي حضرة الحب والعلاقات الزوجية القوية سننسى قليلًا أن ابن تاشفين هو من ألقى القبض على ابن عباد، وسنتذكر فقط أن الاثنين عاشا في كنف زوجتين مختلفتين كان لهما أثر عظيم ليحكي عنهما التاريخ. وفي الوقت الذي تربعت فيه اعتماد الرميكية على عرش إشبيلية بفضل حب المعتمد الشديد لها، بَنَت زينب النفزاوية مكانتها السياسية بفضل ذكائها وحنكتها، فكيف فعلت ذلك وما هو الدور الذي لعبته في تقوية دولة المرابطين؟

زينب النفزاوية.. الأمازيغية زوجة الزعماء والأمراء

هي زينب بنت إسحاق النفزاوية، واسمها باللغة الأمازيغية زينب تانفزاوة، وكما يدل اسمها فهي من قبيلة نفزاوة الأمازيغية التي كانت تقطن في غرب طرابلس. نشأت زينب وترعرت في كنف والدها إسحاق الهواري أحد أكبر تجار القيروان، وفي مقتبل عمرها انتقلت معه للعيش في مدينة أغمات، العاصمة الأولى لدولة المرابطين.

مجتمع

منذ سنتين
يوسف بن تاشفين.. الأمازيغي الذي عاش قرنًا وأخَّر سقوط الأندلس 4 قرون

هاجرت زينب برفقة والدها من نفزاوة التي كانت تحت إمرة بني زيري إلى أغمات، هربًا من همجية بني هلال الذين جاءوا إلى المغرب بإيعاز من الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وذلك من أجل مواجهة بني زيزي المتمردين عليه في أفريقيا.

في أغمات، زادت ثروة والد زينب، إسحاق الهواري، بشكل مضاعف؛ وذلك لأن المدينة تقع في مفترق الطرق التجارية، وهو الأمر الذي كان له أثر بالغ في تكوين شخصية زينب، التي كانت ترى نفسها على درجة كبيرة من الجمال والحكمة والثراء.

حين كبرت أضحت زينب امرأة حسناء، وذاع صيت جمالها الأخاذ بين القبائل وتنافس الرجال على خطبتها، لكنها رفضتهم جميعًا؛ فقد كانت ترى أن جمالها وثراءها يجب أن يوصلها إلى أعلى الأماكن، ولهذا قالت: إنها لن تتزوج إلا بمن يكون حاكمًا على البلاد، وبالفعل تحققت رغبتها؛ إذ يقول المؤلف علي محمد الصلابي في كتابه «تاريخ دولتي المرابطين والموحدين في الشمال الأفريقي» بأن زينب اقترنت بيوسف بن علي بن عبد الرحمن بن وطاس، شيخ وريكة، وبعده تزوجت لقوط بن يوسف بن علي المغراوي، أمير أغمات، وبعد مقتله تزوجت من أمير المرابطين أبي بكر بن عمر اللمتوني.

زينب النفزاوية ويوسف بن تاشفين.. وراء كل رجل عظيم امرأة

لم تمكث زينب مع زوجها الأمير أبي بكر بن عمر اللمتوني سوى ثلاثة أشهر؛ فبعدها اضطر اللمتوني إلى خوض حرب جهادية في أفريقيا جنوب الصحراء، وقال لزوجته: «إن هناك انقلابًا حدث في جنوب البلاد، وأنا راجع إلى الصحراء، وأريد الجهاد، وأنت امرأة جميلة بضة لا طاقة لك على حرارة الصحراء، وإني مطلقك، فإذا انقضت مدتك فانكحي ابن عمي يوسف بن تاشفين»، وبالفعل تزوجت زينب من أمير المرابطين يوسف بن تاشفين بعد انقضاء عدتها.

«كانت عنوان سعده، والقائمة بملكه، والمدبرة لأمره، والفاتحة عليه بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب».
*أبو العباس الناصري عن زينب النفزاوية

منذ البداية ساندت زينب زوجها بن تاشفين في أمور حكمه؛ ساعدتها في ذلك خبرتها السياسية الواسعة التي اكتسبتها في حياة أزواجها السابقين، وقال عنها ابن خلدون: إنها «كانت إحدى نساء العالم المشهورات بالجمال والرياسة»، وعن علاقتها بابن تاشفين قال ابن خلدون: «كان لها رياسة أمره وسلطانه».

إضافة إلى ابن خلدون، تحدث أيضًا الشيخ أبو العباس أحمد بن خالد الناصري عن علاقة زينب بابن تشافين في كتابه «الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى»، قائلًا: «كانت عنوان سعده، والقائمة بملكه، والمدبرة لأمره، والفاتحة عليه بحسن سياستها لأكثر بلاد المغرب».

ونقرأ في كتاب «الكامل»، ما كتبه عنها ابن الأثير قائلًا: «كانت من أحسن النساء، ولها الحكم في بلاد زوجها ابن تاشفين».

الحقيقة أن زينب لم تساند زوجها ابن تاشفين بالمشورة السياسية فقط؛ إذ وعدته بأنه سيملك جميع المغرب، فأعطته أموالها الطائلة، وشجعته على جمع القبائل، وبتدبير زينب وقدراته القتالية ما لبث ابن تاشفين أن تمسك بمقاليد حكم الدولة الناشئة، وثبت أركانها، فتضخمت جيوشه وقويت إدراته، لكن زينب لم تكتف بذلك فقط؛ إذ كانت تريد أن يظل ابن تاشفين وحيدًا على هرم السلطة، ولهذا أشارت عليه بأن يثبت لأبي بكر أنه جدير بحكم المغرب، وأضافت قائلة: «إن ابن عمك لا يحب سفك الدماء، فإذا لقيته فاترك ما كان يعهده منك من الأدب والتواضع معه، وأظهر أثر الترفع، حتى كأنك مساو له، ثم لاطفه مع ذلك بالهدايا».

وحين عاد أبو بكر بن عمر اللمتوني من حل الخلاف الذي كان في الصحراء ورجع بجيشه إلى المغرب الأقصى تفاجأ بالدولة القوية التي أسسها ابن تاشفين، الذي استمع إلى نصيحة زوجته التي أشارت عليه باستقبال ابن عمه في منتصف الطريق بين أغمات ومراكش، في استعراض عسكري مهيب ينم عن الانضباط والطاعة؛ لتزداد بذلك ثقة أبي بكر في ابن عمه، ويتفاءل بمستقبل دولة المرابطين.

هناك تحديدًا في منتصف الطريق بين أغمات ومراكش تنازل أبو بكر لابن عمه عن الحكم، وودعه منصرفًا إلى الصحراء، قائلًا: «أنت أخي وابن عمي، ولم أرَ مَن يقوم بأمر المغرب غيرك، ولا أحق به منك، وأنا لا غناء لي عن الصحراء، وما جئت إلا لأسلم الأمر إليك، وأهادنك في بلادك، وأعود إلى الصحراء مقرّ إخواننا، ومحلّ سلطاننا».

Embed from Getty Images

تأسيس مدينة مراكش

لا تقوم الدول إلا بقواعد تكون مصدرًا لقرارات زعمائها، تلك هي سنة التاريخ السياسي، وهذا تحديدًا كان أمر مراكش بالنسبة لمؤسسها يوسف بن تاشفين، فبناها عام 1062 ميلادية لتكون قاعدة حكمه، واختار ابن تاشفين مقر دولته بناء على نصيحة زوجته، فكان موضعها في وسط المغرب الأقصى بين المحيط الأطلنطي والأراضي ذات المناخ شبه الصحرواي، وذلك حتى تكون أقرب إلى أقاليم الشمال المتحضرة والصحراء.

يقول المؤرخ محمد الصالح العمراني بن خلدون، في كتابه «سبع سيدات مراكشيات باستحقاق»: إن زينب النفزاوية هي «أم فكرة بناء مدينة مراكش حاضرة للمغرب المسلم الكبير من حدوده مع مصر نهر النيل إلى حدوده مع السنغال».

ويشير أبو العباس الناصري إلى أن يوسف بن تاشفين كان دائم الحديث عن فضل زينب أمام الملأ من أبناء عمومته؛ إذ كان يقول دومًا «إنما فتح الله البلاد برأيها».

ليست زينب النفزاوية فقط.. دور المرأة المرابطية في ذلك الوقت

منذ فترة مبكرة للغاية، كانت المرأة المرابطية تلعب دورًا كبيرًا في الحياة الاجتماعية، والسياسية، والأدبية، إذ كانت المرأة تحضر اجتماعات القبيلة، وتدلي برأيها في القرارات الهامة، ومن أهم الأمور التي تؤكد على الحضور القوي للمرأة في المجتمع المرابطي مسألة انتشار النسب الأمومي؛ فعوضًا عما هو شائع في منطقة المشرق الإسلامي، نُسب الكثير من الرجال إلى أمهاتهم في المغرب، ومن القادة المرابطين الذين نُسبوا إلى أمهاتهم: محمد بن فاطمة، ومحمد بن عائشة، وبنو غانية، وابن الصحرواية، هذا إلى جانب الأدباء والشعراء مثل أبي الحسن ابن القابلة، وابن اللبانة.

مجتمع

منذ سنة واحدة
محمد بن تُومَرْت.. حين حكم «المهدي المنتظر» المغرب العربي!

حظت المرأة المرابطية بالكثير من التقدير المجتمعي والاستقلال المالي، فيقول الدكتور كمال السيد أبو مصطفى، في كتابه «جوانب من حضارة المغرب الإسلامي»: «إن المرأة المرابطية كانت تتمتع بذمة مالية منفصلة، وهو الأمر الذي أتاح ظهور الكثير من النساء ذوات الثراء الفاحش، وامتلاك النساء لتلك الثروات والأموال أتاح لهن المشاركة بقوة في المجال العام، تلك المشاركة التي لم تقتصر على الجانب الاجتماعي والاقتصادي، ولكنها تعدته إلى الجانب الثقافي والأدبي، فعلى سبيل المثال: بزغ نجم الأميرة تميمة بنت يوسف بن تاشفين في مجال الشعر، وبرعت أم عمرو ابنة عبد الملك في مجال الطب».

ويذكر الدكتور حسن علي حسن في كتابه «الحضارة الإسلامية في المغرب والأندلس عصر المرابطين والموحدين» أن «المرأة المرابطية كانت تختلط بالرجال في المناسبات والأماكن العامة، وفي ظاهرة غريبة على المجتمع الإسلامي في العصور الوسطى كانت المرأة المرابطية تخرج بدون الحجاب».

المصادر

تحميل المزيد