«هم لطفاء محبوبون، يفتقرون إلى المكر والخداع. العبارات التي تدل على الكذب، والخداع، والجشع، والحسد، والتشفي لم يسمعوا بها. لا تصيبهم الغيرة، ولا يملكون رغبة في الامتلاك» – شاب أوروبي يصف قبائل الهنود الحمر في أوائل القرن السابع عشر، من فيلم The New World للمخرج العالمي ترانس ماليك.

في أوائل التسعينيات، كان قادة العالم يحتفلون بسقوط الشيوعية إلى الأبد؛ فقد سقط جدار برلين وسقط الاتحاد السوفيتي، وبدا العالم وكأنه يعيش نهاية التاريخ، فلن يسود بعد الآن سوى عقيدة الليبرالية الجديدة، لكنّ شعبًا ضئيلًا من الهنود الحمر في جنوب المكسيك وعلى بعد مسافة قصيرة جدًا من حدود سيدة العالم الجديد؛ الولايات المتحدة الأمريكية، سيكون له رأيٌ آخر، وسيوجه صفعة قاسية لأحلام هؤلاء القادة حول نهاية التاريخ.

أغلب الحركات الثورية في العالم يتحرَّك خيالها في إطار كيفية السيطرة على جهاز الدولة، ومن ثم تطويعه لتحقيق مبادئ الثورة، لكن في التجربة التي سيعرضها هذا التقرير سنتحرك خارج الخيال، ونرى كيف عاش مجتمع من الثوار دون أن يحاولوا السيطرة على جهاز الدولة، أو حتى يقيموا جهازًا بديلًا له.

سيحاول هذا التقرير أن يذهب معك في رحلة إلى الفوضى، ليكون لك الحكم في الأخير، هل تستحق الفوضى أن نشجبها ونخشى منها بالفعل؟ وهل لا بد لأي ثورة كي تنجح أن تسيطر على دولة وتؤسس سلطة؟

الرد السريع 1994:

كانت المكسيك تواجه منذ بداية الثمانينيات أزمات اقتصادية عنيفة في أعقاب تحولها إلى تطبيق السياسات الليبرالية الاقتصادية، وفي مواجهة تلك الأزمات شرعت حكومة الرئيس الأسبق ساليناس دو جورتاري (1988-1994)، في خطة ليبرالية أكثر جذرية للتغلب على معدلات التضخم الكبيرة، ومن أجل استعادة النمو في أرقام الاقتصاد المكسيكي النهائية.

كانت الخطة الليبرالية للتكيف قد أدت إلى الشروع في برامج الخصخصة، وتقليص دور الدولة في النشاط الاقتصادي، وإعادة دمج البلاد بقوة في الاقتصاد الدولي عبر تحرير النظام التجاري، وذلك بإزالة معظم العوائق أمام الواردات الأجنبية، بالإضافة إلى توقيع العديد من اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأمريكية‏، وكان لتلك العمليات نفس التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية التي تصاحبها في أي مكان تطبق فيه بالعالم، حيث لا يدفع ضريبتها إلا الأشد فقرًا من السكان، بحسب الكثير من المحللين.

على صعيد آخر بعد سقوط الدول التي كانت تسمى بالشيوعية، والتي لم تكن في نظر العديد من المحللين سوى وجه آخر للرأسمالية، كان العالم الرأسمالي يدشن بثبات سياسات العولمة، حيث حرية التنقل التامة للبضائع، وتقييد حرية الفقراء في الانتقال إلى الأماكن الأكثر ثراءً.

وبينما كانت اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا (NAFTA)، وهي معاهدة لإنشاء منطقة تجارية حرة ما بين الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك؛ قد صارت سارية المفعول في يناير 1994، كان الهنود الحمر – السكان الأصليون – والذين يمثلون 10% من سكان البلاد، يعيشون تحت وطأة تاريخ ثقيل من الاضطهاد، فتلك الأراضي الزراعية التي يعملون فيها جيلًا بعد جيل، مثلهم مثل أقنان الأرض في عصر الإقطاع الأوروبي، كانت في يوم من الأيام قبل الغزو الاستعماري، ملكًا لأجدادهم ونُهبت منهم عنوة، منذ أكثر من 500 عام، وفي مواجهة ثقل الماضي، والخوف من المستقبل الذي لا يعد سوى باستمرار نفس الواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي يتطور في سياقات استعمارية وإمبريالية، كان للهنود الحمر رد فعل غير متوقع إزاء إعلان نهاية التاريخ، وفي نفس شهر سريان مفعول NAFTA.

صورة عن قرب لما قبل الثورة العاصفة

صورة لعائلة من السكان الأصليين، مصدر الصورة: dorsetchiapassolidarity


يعيش الفلاحون في المكسيك في الجزء الجنوبي من البلاد، وهم من سلالة السكان الأصليين (الهنود الحمر)، وبعيدًا عن أن الأرض التي يعملون فيها كانت في يوم من الأيام قبل الاستعمار ملكًا لأجدادهم، فإن المظالم قد تكثفت بشكل أكبر من ذلك بكثير عشية يناير 1994.

بعد الاعتماد على سياسات الليبرالية الجديدة، والخصخصة، وتقييد الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية والتصنيع، من أجل إنقاذ الاقتصاد المكسيكي الذي يعاني من الركود؛ جاءت بالفعل مليارات الدولارات إلى المكسيك، لكنها ذهبت إلى شراء أسهم في البنوك وفي الشركة القومية للتليفونات وعدد آخر من الشركات، بينما لم يدخل سوى سُبع (7/1) تلك الأموال في الاستثمارات المحلية.

وفي حين كان الفلاحون في القطاع الجنوبي من البلاد (الهنود الحمر)، يعيشون تحت وطأة الفقر الذي يزداد كل يوم، كان الرأسماليون المساهمون في قطاع الصناعات الزراعية يراكمون أرباحًا خيالية وتوسعًا كبيرًا في استثماراتهم.

وجدير بالذكر أن تلك الصناعة الزراعية التي دعمتها الحكومة بشدة عبر إعطائها التسهيلات من أجل استيراد المعدات المتطورة من الخارج، في نفس الوقت الذي تتوفر لها فيه إمكانية الاستفادة من رخص العمالة المكسيكية، كانت تلك الصناعة تقع غالبية ملكيتها في أيدي رأسماليين من الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت نسبة رأس المال الأمريكي في تلك الصناعة تصل إلى 55%.

لنا أن نتصور كون «تشياباس» الجنوبية (معقل ثورة الهنود الحمر)، كان يتواجد بها 87 ألف عامل ينتجون ثلاثة أخماس (5/3) ما تنتجه المكسيك من البن، ويعيشون في فقر مدقع، في حين كانت الأرباح الهائلة من تلك الصناعة تذهب في جيوب أثرياء الشمال الصناعي، وفي حين كانت نسبة 55% من احتياجات الطاقة التي تضخ المشاريع الرأسمالية المملوكة للأثرياء الأمريكان والمكسيكيين تأتي من هذا الإقليم، لم يحصل سوى ثلث (3/1) منازل هذا الإقليم على الكهرباء الكافية لإضاءتها.

الفلاحون يهزمون النظام العالمي الجديد

لم يصدق الهنود الحمر حلم العولمة مع بداية التسعينيات، فالماضي يخبرهم بأن هذا الحلم لم يكن أبدًا سوى كابوس لهم، فهم لم ينسوا أبدًا ما تسببت فيه حركة العولمة الأولى في العصور المبكرة للاستعمار، من إبادة أكثرهم وتحويلهم إلى عبيد في أراضيهم.

أدرك الفلاحون ببساطة أن العولمة الجديدة لن تنتج إلا عواقب مماثلة لما أنتجه الاستعمار؛ فلو كان من غير الممكن سجن الغالبية من البشر في العالم داخل أقبية فقيرة لن يكون هناك أي دافع لدى NIKE وGAP وغيرهما من الشركات الرأسمالية الكبرى كي ينقلوا إنتاجهم إلى تلك الأقبية ليشرعوا في استثمارات جديدة وينعموا بالعمالة الرخيصة المنهكة. فمشروع العولمة الجديدة الذي يشدد على حرية تنقل السلع ورؤوس الأموال هو نفسه الذي يحارب حرية انتقال البشر بين الحدود بشدة وينفق المليارات سنويًا كي يمنع تسلل ما يسميهم بالمهاجرين غير الشرعيين.

المشروع الليبرالي إذًا سينهار إذا تحقق حلم حرية انتقال البشر؛ لذا فإن ثورة الفلاحين من الهنود الحمر حدثت في توقيت مفاجئ للجميع، مثَّل ذروة الحديث عن استقبال العالم لعصر العولمة، وأنه سيتحول إلى قرية صغيرة، تسود فيها «الداروينية الاجتماعية» تحت مبدأ «البقاء للأقوى».

في يناير 1994، وبينما كانت الحكومة تحتفل باتفاقيةNAFTA ، وتقول للعالم أن المكسيك واحة من الاستقرار، وأفضل مكان لجذب الاستثمارات الأجنبية، وبينما كان الحزب الحاكم يستعد للانتخابات الرئاسية الجديدة في أغسطس من نفس العام، خرج جيش من الهنود الحمر الثوار عُرف باسم الزاباتيستا، واستطاع هذا الجيش أن يحتل ست مدن بولاية تشياباس، ويستولي على مبنى الإذاعة، ويشعل النيران في المباني الحكومية التي مثلت له رمز استبداد الحكومة المركزية النيوليبرالية، وهاجموا السجون وحرروا 176 معتقلًا، وحصَّنَ الفلاحون الثوار قراهم الفقيرة بالمتاريس.

ومنذ الانتفاضة وحتى الآن، ومع اختلاف تعامل الحكومة مع ملف الانتفاضة، بين القمع المباشر وقصف مجتمع الثوار أحيانًا، والتفاوض معهم وإخلاء الولاية من الجيش النظامي الحكومي في أحيان أخرى؛ ظل الهنود الحُمر محافظين على منطقة ثابتة من الحكم الذاتي في مرتفعات وأدغال تشياباس النائية.

وقد أعلن المتحدث الرسمي باسم الزاباتيستا والقائد العسكري «ماركوس»، الذي يُلقب نفسه بلقب «القائد الأدنى»، كنوع من السخرية من لقب القائد الأعلى الذي يطلقه زعماء العالم الثالث على أنفسهم، في وقت لاحق، أعلن: «الحرب العالمية الرابعة تُشَن حالياً من قبل الليبرالية الجديدة ضد الإنسانية في جميع الجبهات ومختلف المناطق، بما في ذلك جبال المكسيك الجنوبية الشرقية، ويجري ذلك نفسه في فلسطين والشيشان والبلقان والسودان وأفغانستان، بواسطة جيوش نظامية بدرجات متفاوتة. والليبرالية الجديدة هي التي تجلب التطرف، بواسطة نفس اليد، من هذا الفصيل أو ذاك إلى كل ركن من أركان هذا الكوكب. وهي التي توقع الضحايا في أمريكا اللاتينية، وأوروبا وآسيا وإفريقيا وأستراليا والشرق الأقصى، مع قنابل مالية تفتت دولًا كاملة. هذه الحرب التي تهدف إلى تدمير/ تهجير مناطق آهلة بالسكان، وتعيد تشكيل/ تنظيم مناطق جغرافية محلية وإقليمية، وتكوين خارطة عالمية جديدة بالدم والنار. وهي الحرب التي تترك في طريقها التوقيع الذي يُعَرّف عليها ألا وهو: الموت».

صورة للقائد الأدنى ماركوس واضعًا في فمه غليونه الشهير


وشرح هذه الفكرة في وقت لاحق من إدراك الهنود الحُمر لها، الكاتبُ السياسي الأمريكي بيل واينبيرج، حين فصلها في عام 2008 قائلًا: “إن منطق العولمة يرتكز ضد الشعوب الأصلية التي تسعى ببساطة إلى المحافظة على تقاليدها القديمة بالاكتفاء الذاتي وتركها تعيش بسلام. وبالفعل، فإن الشعوب الأصلية غالبًا ما تكون هي الأهداف الحقيقية للحملات الجديدة ضد الإرهاب، فالمجتمعات الزراعية الفلسطينية تُستأصل من أراضيها التقليدية بواسطة «الجدار الأمني» الإسرائيلي، وجماعات «الإيجورز» في مقاطعة زينجيانغ في الصين، والبربر في الكابيليا، كلهم يواجهون قمعًا متصاعدًا، حيث تنادي الحكومتان الوطنيتان في الصين والجزائر بموقف مشترك مع حملة بوش العسكرية العالمية، والهنود والكامبسينو في كولومبيا مستهدفون من قبل الجيش النظامي وغير النظامي الذي يتلقى الدعم من الولايات المتحدة، لأنهم ببساطة يطالبون بحقهم في عدم المشاركة في الحرب الأهلية. وفي كل مكان، فإن الوصول إلى المناطق والموارد الطبيعية – النفط والغاز الطبيعي وحتى المياه – يكمن وراء الصراعات الدامية».

باختصار، فبعد إعلان ماركوس هذا، بات واضحًا أنه بالنسبة للهنود الحمر، لم تكن انتفاضتهم ضد الدولة المركزية المكسيكية التي تنهبهم فقط، وإنما هي صرخة مقاومة ضد الليبرالية الجديدة، التي يتشكل العالم الجديد في إطارها على أشلاء الضحايا في أفريقيا وفلسطين وآسيا وتشياباس.

قصة جيش لا يسعى إلى السلطة

وفقًا للظروف التي نشأت من خلالها هذه الانتفاضة، فإن حركة الزاباتيستا هي حركة ذات بنية عسكرية، لكن الزاباتيستا يرون أنهم ليسوا كأي جيش ثوري آخر، أو أيَّة قوة عسكرية أخرى.

يرى جيش الزاباتيستا أن هدفهم النهائي هو أن يكفوا عن حمل السلاح، فالجيوش النظامية والثورية تلجأ للسلاح كي تقنع الآخرين، والجندي في تلك الجيوش يتدرب على التصرف بشكل ينافي عقله ويلغيه، بينما يرى الزباتيون أنهم لو انساقوا وراء رؤية أنفسهم كمخلِصين عسكريين، ونصبوا أنفسهم كسلطة باعتبارهم جيشًا ثوريًا، فسيفشلون في أن يكونوا بديلًا حقيقيًا يقوم على أساس أفكار ومواقف محددة من العالم.

باختصار فإن ما تراه معظم الحركات الثورية من نجاح في فكرة تشكيل سلطة من الثوار، لا يرى فيه فلاحو الهنود الحمر سوى قمة الفشل، لأنه لن يعيد من وجهة نظرهم سوى إنتاج كل ما ثاروا ضده. إنه شيء أشبه بما يتكرر دائمًا في كتابات عالم الأنثروبولوجيا الأناركي ديفيد جريبر: «لا يمكن انتزاع الحرية بوسائل سلطوية، كما أن التحول الاجتماعي يبدأ بتغيير العلاقات اليومية».

مصدر الصورة: https://latinousa.org


بحسب القائد الأدنى ماركوس، فإن الغايات والوسائل بالنسبة للزاباتيستا هما شيء واحد فهو يقول: «نحن نحدد هدفنا باختيار وسائل النضال من أجله. بهذا المعنى، فنحن نولي قيمة لتعهداتنا ووعودنا، ونحترم الأمانة والصدق، فهي أمور لا بد منها».

ومن الطريف هنا ذكر أنه في إحدى عمليات الزاباتيستا عام 1994، أعلنوا أنهم سيهاجمون القوات المسلحة المكسيكية قبل القيام بالعملية، ولم يصدق النظام أنه يمكن لحركة متمردة أن تمتلك أخلاقيات التنبيه على أن هجومًا قريبًا سيتم، إلا حين حدث الهجوم بالفعل.

وفي حين أن الأولوية لدى الجيوش النظامية هي أن يستغل الجنود أوقاتهم في تنظيف أسلحتهم وتجهيزها، فإن الأولوية لدى جنود الزاباتيستا هي قراءة الرواية والشعر والمقال، فهم يفكرون في العالم ليس عبر وسائل الإعلام؛ أو كما يسمونها وسائل التعتيم الإعلامي، وإنما عبر الرواية والشعر، وبحسب تعبير ماركوس «ولما كانت الكلمات هي أسلحتنا فلا بد أن نكون مستعدين في أي لحظة».

هل تخيلت الحياة بدون سلطة من قبل؟

«إنني لست حرًا حقيقةً، إلا عندما تكون جميع الكائنات البشرية التي تُحيط بي رجالا ونساء أحرارًا أيضًا. إن حرية الآخر، أبعد ما تكون عن أن تكون حدًا لحريتي أو إلغاء لها، بل هي على العكس من ذلك شرطها الضروري وتأكيد لها». المنظر اللاسُلطوي ميخائيل باكونين في القرن التاسع عشر.

بعيدًا عن البنية الذهنية غير الاعتيادية لجيش الهنود الحمر، فإن إدارتهم لحياتهم بدون سلطة هو الأشد إبهارًا، وهنا سنصحبك لرحلة إلى حياة اللاسُلطة في أدغال تشياباس.

شكلت إدارة الهنود الحمر لحياتهم اليومية مصدر إلهام بالنسبة للأناركيين واللاسلطويين في العالم كله، حيث استطاع الثوار أن يستلهموا تاريخ مجتمعاتهم التي كانت تستخدم عملية الاتفاق بالإجماع في اتخاذ كل قرارات الجماعة، بدون وصاية من أحد، واستطاعوا أن يطوروا أيضًا تلك العملية لتضمن مشاركة عادلة للنساء والصغار.

– الاقتصاد

هدف الثوار في المجتمع المحكوم ذاتيًا كان واضحًا؛ وهو إقامة مجتمع يتشكل من أفراد أحرار ومتساوين، لا وجود فيه لأي شكل من أشكال الهيمنة، وفلسفة الحياة اليومية في تشياباس هي تمكين الناس من إدارة شؤونهم ذاتيًا، بأسلوب لا هرمي، وتكثيف التعاون بين المجتمع من أجل إنتاج الحلول الثورية والمبهجة لحل المشاكل والهموم التي تقابل حياتهم كبشر. باختصار تمكن الهنود الحمر من إقامة إدارة ذاتية في الاقتصاد والصحة والتعليم والحكم.

في الحياة المادية، يعتبر العمل الجماعي هو المحرك الأساسي للحياة، فهذا المجتمع يمتلك أراضيه الخاصة، والرجال والنساء كل منهم لديه وظيفته في إطار ما يخدم كل أفراد المجتمع، ولا يوجد أي اتصال بين العائلات هناك والاقتصاد الرأسمالي، فهم ينتجون ما يحتاجونه، ويهتمون بإنتاج الطعام الذي يتواجد به كمية كبيرة من البروتين.

وما يفيض عن حاجة المجتمع يُحفظ كأرباح، ويعتمدون على بيع البن للخارج وبعض رؤوس الماشية إذا لزم الأمر، من أجل توفير الاحتياجات في المجالات الصحية والعسكرية.

– التعليم والصحة

صورة لمدرسة في تشياباس



ينتخب المجتمع الأفراد الذين سيعلمون أبناءهم وبناتهم، والآخرين الذين سيقومون بالعناية بصحتهم، وبين كل تجمع صغير توجد مدرسة، ومركز صحي؛ حيث يعمل أطباء العظام والمتخصصون في طب الأعشاب والقابلات وكلهم قد انتخبهم المجتمع ووثق في علمهم.

أما التعليم فهو تعليم لا مؤسساتي، هو تعليم من وحي ثقافة الفلاحين، يكون بالتفاعل المباشر بين المعلم والمتعلم، هو تعليم ممتع بقدر ما هو غير نظامي، ونتائجه غير متوقعة، ولا مجهزة سلفًا، حيث يحاول المعلم والمتعلم أن يستكشفوا كل يوم شيئًا جديدًا في هذا العالم، فالمدارس الزاباتية بلا صفوف دراسية أو ألواح أو مناهج دراسية أو علامات ودرجات. لا يوجد شيء في تشياباس يسمى الطفل الحاصل على المركز الأول بين أقرانه.

التعليم في تشياباس يعتمد على خلق صلات استمتاع وبهجة حقيقية بين أفراد المجتمع القادمين، ولا يعتمد على الفكرة المتبعة في بقية العالم وهي الفصل والتمييز بين الأساتذة الذين يعتبرون ذوي المعرفة والسلطة، وبين الطلبة الذين يُعتبرون سُذجًا يحتاجون لأن يلقنوا المعرفة بحزم، ويتشبعوا بما يريدهم المجتمع أن يكونوا عليه.

– العلاقات الزوجية

مصدر الصورة: schoolsforchiapas.org



الأعمال المنزلية هي مهمة المرأة بالأساس، لكن الرجال يساعدون فيها بجدية، كما أنهم يعتنون بالأطفال عندما تذهب النساء إلى أعمالهن، وتقوم علاقة الآباء بالأبناء على الاحترام والصداقة ومشاركة اللحظات السعيدة واحتواء اللحظات الحزينة، ويقول المراقبون الذين زاروا الإقليم المُحرر، أنه يكاد لا يوجد أي مظهر واحد للغضب أو العنف في المنازل.

النقد الماركسي للزاباتيستا

«في أيامنا هذه، تحتل الفوضوية ضمن الحركات الاجتماعية المكانة التي كانت تحظى بها الماركسية في السبعينيات، بل حتى الشخص الذي لا يُصنّف نفسه فوضويًا، تستند مرجعيته إلى أفكار فوضوية ويُحدد موقفه بالنسبة إليها» – ديفيد جريبر، عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي وأحد المرجعيات الثقافية لحركة «احتلوا وول ستريت» المناهضة للعولمة.

رغم النجاح المشهود للهنود الحمر في تشكيل حالة ثورية فريدة من نوعها، في مواجهة النيوليبرالية؛ إلا أن الماركسيين لم يكفوا أبدًا عن انتقاد تلك الثورة.

يتركز النقد الماركسي على أن الثوار في تلك الحالة باعتبارهم فلاحين فقراء، كان همهم الأساسي ليس القيام بثورة جذرية في المكسيك، وإنما فقط تحسين أوضاعهم في الجنوب، تحت شعارات محدودة المدى وبعيدة كل البعد عن الراديكالية والمقاومة الحقيقية للنيوليبرالية، تتمثل في إعلانات وضجيج متكرر حول حقوق السكان الأصليين من الهنود الحمر، بالتالي لم تقدم حركة الزاباتيسيا – بحسب النقد الماركسي – للطبقة العاملة المكسيكية، إلا خطوطًا واسعة غير دقيقة من نقد سياسات الليبرالية الجديدة، وأنها رغم انفعال الطبقات الكادحة المكسيكية بها، لكنها لم تأخذ في الحسبان مطالب النضال العمالي في المدن الحضرية، بجوار تلك المتعلقة بالهنود الحمر أنفسهم.

باختصار، يرى الماركسيون أن الثورة لم تشارك بجدية في النضال المكسيكي العام، سوى بمطالب تشبه مطالب المعارضة الليبرالية المتمثلة في الإصلاحات الديمقراطية، بعيدًا عن التغيير الجذري في العلاقات الاقتصادية بالمكسيك.

وبشكل عام، فإن النظرية الأناركية التي تستشهد بنجاح الهنود الحمر تقول أن فكرة رغبة التيارات الثورية بالعالم في السيطرة على الدولة هي فكرة خاطئة، لأن جهاز الدولة بطبيعته قمعي وسلطوي، والسيطرة عليه لن تؤدي إلا إلى تكرار دوائر القمع والهيمنة مرة أخرى، وإنما لا بد من إقامة مجتمعات تعاونية مستقلة عن فكرة الدولة كما فعل الزاباتيستا.

ويرد الماركسيون بأن النجاح الذي صادف الفكرة في أدغال جنوب المكسيك، لا يمكن أن يحدث ثانية في القاهرة أو بغداد أو لندن أو أي مكان متطور، فلا يوجد مكان خارج عن سيطرة الدولة، ولا يمكن للنظام الرأسمالي أن يسمح لمجتمع بالخروج عن حلقاته، ويقولون إنه حتى في تلك الحالة، بالنهاية لم يفلح الزاباتيستا اللاسلطويون في تغيير المكسيك نفسها، فضلًا عن المساهمة في تغيير نظام هذا العالم.

لكن إزاء فكرة تغيير العالم هذه يمتلك الزاباتيستا ردهم وفلسفتهم الخاصة، حيث قال القائد الأدنى لجيوش الزاباتيستا في حوار قديم معه:

«كل الحركات الطليعية تعتبر نفسها ممثلة للأغلبية، نحن لا نعتقد أن هذه الفكرة زائفة فحسب، بل نعتبرها في أفضل الأحوال ليست أكثر من مجرد أمنية، لا أساس لها في الواقع، فقد أصبح لكل القوى الاجتماعية الراهنة اليقين، بأن أولئك الذين يدعون تمثيلها أو قيادتها، هم أنفسهم يدركون عدم صحة ذلك. في هذا الإطار، ليس لحركة الزاباتيستا للتحرر الوطني أية ادعاءات بأنها حركة طليعية، ولا تعترف إلا بأوضاعها الواقعية. إن الاعتقاد بأننا يمكن أن نتحدث باسم الناس ونعبر عن مصالحهم هو استمناء سياسي، مثله مثل الكتابات التي لا يقرؤها سوى من كتبوها، نحن نسعى إلى أن نكون أمناء مع أنفسنا، إننا نقول بأمانة أننا لا نمثل سوى جماعات الزاباتيستا للسكان الأصليين في منطقة جنوب شرق المكسيك. في تصورنا أن مسيرتنا كانت مثل حرث الأرض وتقليبها الذي يقوم بكشف الكثير من المدفون فيها، كنا أمناء وقلنا للناس أننا لم نأت لنقود أحدًا وفقًا لما نتصوره. جئنا فقط لنحقق حلمنا، لكن تحركنا هذا قد يمكن آخرين من التحرك، وتلك قصة أخرى».

المصادر

تحميل المزيد