منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، لجأت معظم البنوك المركزية العالمية إلى تخفيض سعر الفائدة ليصبح قريبًا من الصفر، ثم صفرًا، وأقل من الصفر بعد ذلك، وكانت هذه الخطة ينظر إليها على أنها فترة مؤقتة، لن تدوم طويلًا، بل كان أبرز جدل بين الاقتصاديين في ذلك الوقت حول مدى سرعة خروج البلدان التي اتبعت تلك السياسات المالية غير التقليدية.

لكن يبدو أن الأمور تتجه نحو مسار دائم وليست مجرد سياسيات مؤقتة، فقد مر على هذا الاتجاه أكثر من 10 أعوم، ولكن ما هو الأفضل للاقتصاد، الفوائد المرتفعة أم الصفرية؟

قبل الحديث عن فوائد وأضرار أسعار الفائدة المرتفعة، لنعود أولًا إلى البداية ونتحدث سريعًا عن نظرة الاقتصاد لسعر الفائدة والتي تعد من أهم المتغيرات الاقتصادية، حيث تؤثر على قرارات أفراد المجتمع سواء كانوا مستهلكين أو مستثمرين، فأسعار الفائدة تلعب دورًا هامًا جدًا، فهي بحسب الاقتصاديين تعمل على توزيع الموارد المالية المتاحة ما بين المشروعات الاستثمارية، بمعنى أن المشاريع في الغالب تقترض عندما تتوقع أن يكون معدل الربح أعلى من معدل الفائدة السائد في السوق.

ونفس الأمر يحدث بالنسبة للأفراد المستهلكين في حالة التفضيل ما بين الاستهلاك الحالي والاستهلاك المستقبلي على أساس سعر الفائدة، وبشكل عام يفرق علماء الاقتصاد ما بين نوعين من أسعار الفائدة، الأول وهو السعر الاسمي، وهو الذي يتم عنده تبادل مبلغ نقدي في الوقت الحاضر بنفس المبلغ في المستقبل مضافًا إليه زيادة تمثل سعر الفائدة، والثاني، سعر الفائدة الحقيقي، وعند هذا النوع يتم وضع معدل التضخم في الحسبان حيث يساوي سعر الفائدة الحقيقي السعر الاسمي مخصومًا منه معدل التضخم.

ويجدر الإشارة هنا إلى أن النظرة الكلاسيكية لسعر الفائدة تختلف عن نظرة أصحاب الفكر الكينزي، حيث يفسر مارشال، أحد رواد الفكر الكلاسيكي، سعر الفائدة بأنه «ثمن استخدام رأس المال في أي سوق»، كما يرى الكلاسيكيون أن سعر الفائدة يتحدد بتلاقي عرض الأرصدة القابلة للاقتراض مع الطلب على هذه الأرصدة، وهو ما يسمى بـ«نظرية الأرصدة القابلة للاقتراض»، وعلى الجانب الأخر يرى كينز أن الفائدة هي ثمن النقود، بمعنى أنها ثمن التنازل عن السيولة، ويتحدد سعر الفائدة وفق عرض النقود والطلب عليها.

وصلت 13 تريليون دولار عالميًا.. لماذا ينتعش سوق السندات المالية السالبة؟

الفائدة الصفرية في ميزان الاقتصاد.. فوائد وأضرار

عندما يكون اقتصاد الدولة قويًا، يحلم الجميع  أن يكون سعر الفائدة منخفضًا؛ لأن هذا يجعل تكلفة الاقتراض ضئيلة ويشجع المستثمرين على تعزيز أعمالهم، فأسعار الفائدة المنخفضة تشجع الشركات والمستهلكين على الاقتراض، سواء بهدف الاستثمار أو الاستهلاك، وهو ما ينتج عنه بالتالي أن تكون النقود في وضع التداول ويرتفع عرض النقود بسبب القروض، وهو ما يدعم الانتعاش الاقتصادي إلى حد ما.

ويصف البعض الفائدة الصفرية، على أنها عقاب للمدخرين ومكافأة للمستهلكين والمستثمرين، ففي النهاية الهدف الرئيس لخفض الفائدة لمثل هذه المعدلات، هو تحفبز الطلب وتحريك الأموال من البنوك إلى الأسواق، سواء للاستثمار أو الاستهلاك كما ذكرنا، والفائدة المنخفضة تحفز المستهلكين على الاستهلاك، وتنشط حركة الاقتصاد لاعتماد الكثير من المستثمرين والشركات المساهمة على القروض في تمويل مشاريعهم.

Embed from Getty Images

رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول

هذا فيما يخص الفوائد، لكن هل يمكن أن يكون لهذا الاتجاه أضرار؟، الإجابة، نعم، يمكن أن يكون سعر الفائدة المنخفضة مثبطًا للاقتصاد، فعندما لا يستطيع الأشخاص كسب دخل مغري من سعر الفائدة على أموالهم في حسابات التوفير وشهادات الإيداع، فإنهم إما يستخدمون أموالهم لسداد الديون أو للاستثمار في السلع أو الخدمات أو الأصول مثل المنازل والأسهم.

وهذا يعني أن البنوك تفقد الودائع، وكذلك تؤثر أسعار الفائدة المنخفضة أيضًا على شركات التأمين التي تعتمد على عائد معين قائم على الفائدة على الأموال التي تحصل عليها بأقساط لتغطية الخدمات الخاصة بها، وبالتالي قد ترتفع أقساط التأمين الخاصة بالأفراد، أيضًا تؤثر أسعار الفائدة المنخفضة سلبًا على الأشخاص الذين يعيشون علي الفوائد من مدخراتهم كدخل لهم، لذلك عند انخفاض أسعار الفائدة ينخفض مستوي إنفاقهم، وبالتالي قد يتباطأ النشاط الاقتصادي الكلي.

هل يمكن أن تقود الفائدة الصفرية الاقتصاد إلى الانكماش؟

كما أنه عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة، يتراكم لدى البنوك أموال كثيرة في حسابات الودائع الخاصة بها، لذلك تتحمس وتقبل البنوك على إقراض الشركات والأفراد، وعلى العكس عندما تكون أسعار الفائدة منخفضة بشكل غير طبيعي – صفر – ينخفض لدي البنوك قاعدة الودائع وهو ما لا يشجعها على المجازفة، لذلك نجد البنوك تقرض فقط أصحاب أعلى تصنيف ائتماني وأصول كبيرة لضمان تلك القروض.

وهذا الأمر يضر الاقتصاد بشدة، فمع الفوائد المتدنية من الصعب تمويل العمليات التجارية الصغيرة، وبالتالي يتضرر النشاط الاقتصادي عمومًا وتظهر مشاكل كالاحتكار، والبطالة، فعندما تكون أسعار الفائدة منخفضة للغاية بحيث لا تخدم الوظيفة الأساسية لتحفيز الاقتصاد على النمو، فإنها تقلل من تدفق الأموال إلى الاستثمارات المباشرة، وتتزايد الاستثمارات في الأصول التي لا تنتج فرص عمل جديدة، مثل سوق الأوراق المالية.

لماذا يحتاج ترامب الآن إلى اتفاق تجاري سريع مع الصين؟

وفي هذه الحالة لن تتدفق الأموال عبر النظام الاقتصادي بشكل سليم، وبالتالي سترتفع البطالة مع تسريح الشركات للكثير من العمالة واستئجار مقاولين وعاملين مؤقتين أو غير متفرغين بأسعار منخفضة، وبالتالي تنخفض الأجور، ومن ثم يتراجع الاستهلاك والإنفاق على السلع والخدمات، وهو ما يقود الاقتصاد في النهاية إلى خطر الانكماش، الذي يصعب إيقافه عندما ينحسر الاقتصاد.

لماذا الولايات المتحدة الأكثر احتياجًا للفائدة الصفرية؟

يتزايد الحديث مؤخرًا حول اتجاه أمريكي قريب نحو الفائدة الصفرية، إذ يرى  الكاتب الاقتصادي بـ«بلومبرج»، والأستاذ المساعد للشؤون المالية بجامعة ستوني، نواه سميث أن الفائدة الصفرية هي الطريقة الأكثر وضوحًا لتفادي الإفلاس الأمريكي، حيث تستمر البلاد في الغرق بالديون، فوقف توقعات مكتب ميزانية الكونجرس، للميزانية الفيدرالية الأمريكية خلال 30 عامًا القادمة.

ويبلغ اقتراض الحكومة الفيدرالية الأمريكية الآن حوالي 4.2% من إجمالي الناتج المحلي كل عام، وبحلول عام 2049، يتوقع «مكتب الميزانية بالكونجرس (CBO)» أن يتضاعف المعدل إلى 8.7%، وهذا العجز لن ينتج بسبب التبذير الحكومي، بل يتوقع مكتب الميزانية أن يتقلص الإنفاق الحكومي بشكل كبير نسبة إلى حجم الاقتصاد.

«مكتب الميزانية» يتوقع أن ترتفع أسعار الفائدة مما يجبر الحكومة على إنفاق المزيد على فوائد الديون، حيث تدفع الحكومة الفيدرالية الآن 2.4% في المتوسط للاقتراض، ويتوقع المكتب أن يرتفع هذا إلى 4.2% خلال ثلاثة عقود، ما يعني أن ذلك يؤول إلى زيادة كبيرة في المبلغ الذي يتعين على الحكومة دفعه مقابل خدمة الدين، فبحلول أربعينات القرن الحالي، قد تصل الفجوة بين الإنفاق بخلاف الفوائد والإيرادات الضريبية بأقل من 4% من الناتج المحلي الإجمالي، لكن صافي الفائدة سيبقى في ارتفاع، هذا لأنه مع اقتراض الحكومة أكثر فأكثر لتغطية مدفوعات الفائدة، يرتفع مقدار الدين المستحق.

كل هذه التوقعات يمكن وصفها المتحفظة للغاية، لافتراض أن الولايات المتحدة سترفع الضرائب، بدلًا من خفضها كما فعلت مرارًا وتكرارًا، ولا يفترض الركود في المستقبل مما يتطلب زيادات كبيرة في مستوى الدين الفيدرالي لأغراض التحفيز. والأهم من ذلك، أنه لا يفترض حدوث زيادات كبيرة في المستقبل في الإنفاق التقديري ولا توجد مستحقات كبيرة جديدة.

لكن ما هو الحل الذي قد لا يفاقم الأمور أكثر؟ وفق سميث، فإن أسهل طريقة لمنع ذلك من الحدوث هي خفض أسعار الفائدة إلى الصفر، وبذلك  تستبدل الحكومة الأمريكية ديونها القديمة ذات الفائدة الأعلى بديون جديدة ذات فائدة منخفضة، وبالتالي مدفوعات الفائدة السنوية ستنخفض، حتى تتلاشى على الإطلاق، وذلك من شأنه أن دفع إلى أن يستقر العجز، ويفتح المجال المالي لمبادرات الإنفاق الجديدة الكبيرة على قضايا مثل تغير المناخ.

وبعيدًا عن الديون التي يعتبرها سميث المحور الرئيسي التي ستدفع أمريكا نحو الفائدة الصفرية، يرى الخبير الاقتصادي الكندي، ديفيد روزنبرج، أن أكبر اقتصاد في العالم يعاني بالفعل الآن إلى الركود، وهو ما سيدفع الفيدرالي الأمريكي لخفض سعر الفائدة، إذ يقول إن الفصول المتتالية من الناتج المحلي الإجمالي السلبي ليست هي المقياس الوحيد للركود، بل لا يعتبره شرطًا للدخول في الركود.

ويشير روزنبرج إلى أربعة مقاييس أساسية تدل على دخول الاقتصاد الأمريكي في الركود، وهي: مبيعات الأعمال الحقيقية، والإنتاج الصناعي، والدخل الشخصي الحقيقي باستثناء التحويلات الحكومية، والعمالة، وكلها تشير بالفعل إلى حالة  الركود، لذلك، وفق روزنبرج، فالركود بدأ بالفعل قبل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي.

هل نجحت تجربة اليابان في الاستفادة من الفائدة الصفرية؟

على ما يبدو فأمريكا مضطرة لسلك هذا المسار، ولكن ما هي النتيجة التي حققتها الاقتصادات التي سلكت نفس الطريق؟ وفق مقال لأدير تيرنر، رئيس «معهد التفكير الاقتصادي الجديد»، والرئيس السابق لـ«هيئة الخدمات المالية البريطانية»، نشر على موقع «بروجيكت سنديكيت»، فأنه بعد أزمة 2008 «تحول نمو القروض إلى السالب واستمر بالانخفاض لسنوات عديدة ليس بسبب أن النظام المالي المعيب كان يفتقر لرؤوس الأموال من أجل منح الائتمان، بل بسبب أن الأسر والشركات شديدة المديونية كانت مصممة على أن تسدد الديون بشكل تدريجي حتى لو كانت أسعار الفائدة صفرا».

هذا الأمر يعرقل الاستفادة المرجوة من الفائدة الصفرية، وهو ما حدث في أوروبا واليابان، بينما يرى البعض بأن سعر الفائدة في اليابان منخفض لأسباب طبيعية، وذلك أساسًا بسبب انخفاض عدد السكان وبطء نمو الإنتاجية، لكن في الوقت ذاته الدين العام الهائل للبلاد يجبر المركزي الياباني على عدم رفع أسعار الفائدة، خوفًا من الإفلاس الحكومي، وهذا ما يعيدنًا إلى نظرة سميث، التي تؤكد أن الديون عامل رئيس، وبالتالي مع استمرار النسبة الهائلة لديون اليابان فالبلاد مضطرة للدوران في فلك الفائدة المنخفضة، وهو ما يحقق الحماية من الإفلاس لكن لا يحميها من الركود.

بيان سعر الفائدة في اليابان خلال ٢٠ عامًا

في المقابل، هناك اعتقاد سائد بأن التضخم هو السبب التقليدي لرفع أسعار الفائدة،  ولكن قد لا تكون الولايات المتحدة هي اليابان، فيمكن أن يكون المستثمرون أكثر ميلًا إلى التخلي عن البلاد بحثًا عن المراعي الخضراء إذا ظلت المعدلات منخفضة جدًا لفترة طويلة جدًا، وأيضًا مع توقع نمو السكان بدلًا من الانكماش، قد لا تتمكن الولايات المتحدة من الحفاظ على معدلات الصفر إلى الأبد دون المخاطرة في نهاية المطاف بالتضخم، وعمومًا، فإن تماسك اليابان حتى الآن لا يعني أن أمريكا قد تتمكن من التكيف مع نفس الظروف.

لماذا تصر بعض الدول على رفع سعر الفائدة إذًا؟

ربما تتساءل، لماذا تبتعد منطقتنا عن هذه الدائرة من أسعار الفائدة المنخفضة؟ إذ نجد أسعار الفائدة في مصر اقتربت من 20% الأشهر الماضية، بينما تتجاوز 20% في تركيا، وفي معظم دول المنطقة نجد أسعار الفائدة أضعافها في اليابان وأوروبا، وهذه الفجوة ترجع في الأساس إلى الفروق الجوهرية بين الاقتصادات النامية والمتقدمة.

وتعتمد الدول النامية عمومًا على تمويل عجز الموازنة من خلال الاقتراض كأول مصدر لسد العجز، لذلك تسعى لرفع سعر الفائدة بشكل مستمر لإغراء المستثمرين، بالإضافة إلى أن احتياج الدول الكبيرة للعملة الأجنبية، تدفعها دائما لرفع الفائدة لإغراء الأجانب للاستثمار في أدوات الدين المحلية، بينا يعتبر التضخم المرتفع كذلك أحد سمات اقتصادات الدول النامية وتلجأ البنوك المركزية لزيادة معدل الفائدة للسيطرة على التضخم، فهناك علاقة عكسية بين المتغيرين.

وعلى كل تتباين أوضاع سعر الفائدة حول العالم بصورة كبيرة، فوفق تحليل لصحيفة «الاقتصادية» نشر في فبراير (شباط) الماضي، استند إلى بيانات البنوك المركزية للدول، وصندوق النقد والبنك الدوليين، وبيانات «رويترز»، فإن أسعار الفائدة تتجاوز نسبة 15% في 15 دولة حول العالم، بينما تراوح أسعار الفائدة بين 10% و15% في 15 دولة أخرى، بينما تستخدم 20 دولة سياسة نقدية تعتمد على فائدة صفرية، وأربع دول بفائدة سلبية، هي اليابان والسويد والدنمارك وسويسرا، بينما تتصدر الأرجنتين وسورينام وتركيا دول العالم، كأعلى معدلات لأسعار الفائدة بمعدلات تتراوح بين 24% إلى 57%.

إيجابيات وسلبيات وتوقعات.. دليلك الشامل حول إقالة محافظ البنك المركزي التركي

المصادر

s