3,093

إذ كانت تقرأ هذا التقرير على شاشة هاتفك الذكي أو على شاشة حاسوبك، ربما عليك أن تتذكر «زو كوفي»، تلك المرأة التي نشأت  في أسرة فقيرة، وعملت في «تلميع الزجاج»، قبل أن تصبح أغنى امرأة عصامية في العالم لعام 2017. صنعت ثروتها بنفسها، بشركتها المتخصصة في تصنيع الشاشات للأجهزة الإلكترونية، وتتعاقد مع عملاء كبار من بينها شركتي آبل، وسامسونج.

18 ساعة يوميًا في تلميع الزجاج مقابل دولار واحد!

وُلدت زو عام 1971، في قريةٍ بسيطة في الصين،  وكانت زو هي أصغر أخواتها الثلاثة سنًا، ولم تعش كثيرًا مع والدتها التي فقدتها وهي طفلة لم يتخطَ عمرها خمس سنوات، أما والدها ، فقد كان جنديًّا سابقًا، فقد إصبعه و معظم بصره ،  إثر حادث ألمّ به في الستينيات، وبعد ذلك حاول مساعدة الأسرة  من خلال صناعة الكراسي، وسلال الخيزران، وإصلاح الدراجات.

إذًا كانت هذه المقدمات تُشير بأن زو لم تولد وفي فمها ملعقة ذهب، وعانت كثيرًا في بدايات حياتها، وبدأت زو حياة قروية بسيطة، في أسرةٍ فقيرة، وكانت تقضي وقتها في المنزل وتساعد أسرتها في تربية الطيور والحيوانات للحصول على قوت اليوم ومصدر الغذاء، ذلك بالتوازي مع ذهابها إلى المدرسة.

و كانت زو هي الطفلة الوحيدة من بين أشقائها، التي  تلتحق بالمرحلة الإعدادية، ليس ذلك وحسب إنما أيضًا كانت متميزة  ومبدعة في دراستها، إذ تقول عنها مدرستها في المرحلة الإعدادية «كانت زو من الطلاب المجتهدين والموهوبين». ولكن زو لم تستمر كثيرًا في مسيرتها التعليمية، وببلوغها سن 16 عام، تركت التعليم الرسمي،  وقررت أن تبدأ مُغامرة جديدة، وسافرت إلى جنوب الصين، حيث يعيش عمها وأسرته  بحثًا عن حياة أفضل وفرصة عمل.

كانت ما تحلم به زو آنذاك مخالف إلى ما وصلت إليه بالفعل؛ إذ كانت الفتاة المراهقة  تحلم بأن تُصبح  مصممة أزياء، لكن وصل بها الحال إلى  العمل مصنِّع لعدسات الساعات بمدينة شنزن الصينية، حيث عملت زو في تلميع العدسات بدوام  18 ساعة يوميًا أو أكثر مُقابل دولار واحد فقط في اليوم.

وتحكي زو عن بداية  عملها في المصنع «إن الظروف كانت صعبة، فاضطررت إلى العمل من الثامنة صباحًا، وحتى 12 مساءً، وأحيانًا إلى 2 صباحًا، مع مجموعة عمل أخرى دون راحة، وكل ما نفعله هو تلميع الزجاج» ولكن يبدو أنّ زو سئمت من هذا العمل؛ فبعد ثلاثة أشهر قدّمت زو استقالتها، لمسؤولها وشكت في رسالة الاستقالة من الملل وطول ساعات العمل، لكنها لفتت في الوقت ذاته إلى امتنانها لتلك الوظيفة، ورغبتها في تعلم المزيد عنها، فأعجب رئيس المصنع بأسلوبها، مطالبًا إياها بالبقاء، و قال لها إن المصنع على وشك تبني عمليات جديدة، وأمر بترقيتها، تلك الترقية التي كانت الأولى من نوعها خلال السنوات الثلاثة المقبلة.

زو تُنشئ شركتها الخاصة «Lens-Technology»

وفي عام 1993، قررت زو خوض مغامرة جديدة، تكون فيها الفتاة الشابة أكثر اعتمادًا على نفسها،  واعتمدت على 3 آلاف دولار ادّخرتهم في  عملها السابق، وفتحت مشروعها الخاص مع أقاربها، الذي كان عبارة عن شركة لعمل الشاشات، في شقة من ثلاث غُرف، ووعدوا عملاءهم بعدسات أعلى جودة.

وتأسست زو جيدًا في تلك الفترة وطورت من عملها؛ إذ تعلمت زو بنفسها  تقنيات صعبة وعمليات الطباعة على شاشات زجاجية مُعقدة، وحسّنت المطبوعات على الزجاج المنحني، وكانت تؤدي الكثير من المهام في شركتها الناشئة، من تصميم الشاشات إلى تصميم  آلات المصانع  وإصلاحها.

وبعد نحو ثمانية أعوام من افتتاح تلك الشركة، نجحت زو، عام 2001 في التعاقد مع «شركة الإلكترونيات الصينية تي سي إل»، لعمل شاشات المحمولة، ولم يمر عامان على هذا العقد، حتى تلّقت زو طلبًا عام 2003، من شركة موتوريلا للهواتف المحمولة ، بتطوير شاشات زجاجية لهاتفها الجديد« Razr V3»، في تلك المرحلة التي شهدت بداية الانتقال من الهواتف التي تعتمد على الأزرار والغطاء البلاستيك، إلى توسيع الاعتماد على الشاشات الزجاجية للهاتف.

وكان التعاقد مع موتوريلا، بداية لسلسة من تعاقدات زو  من خلال شركتها «العدسات التكنولوجية -Lens Technology»مع كبرى  الشركات الإلكترونية العالمية، التي حاولت أن تواكب التوجه الجديد الذي يعتمد أكثر على الشاشات الزجاجية الكبيرة للهواتف، لتتعاقد مع زو، بعد فترة وجيزة، شركات: نوكيا، وسامسونج، وإتش تي سي، ذلك بالإضافة إلى شركة آبل التي تعاقدت مع زو، لعمل شاشات لهاتفها  آي فون، ومثّلت تلك التعاقدات المتتالية نقلة هائلة في مشوار زو المهني.

زو أغنى امرأة عصامية في العالم لعام 2017

وبمرور السنين توسعت الشركة بشكل كبير، وبالوصول لعام 2015، دخلت سوق الأوراق المالية الصينية، وارتفعت أسهمها بشدة، لتصبح أكبر شركة مساهمة صينية تكنولوجية، في الربع الأول من عام 2015، ذلك العام الذي  بلغ فيه عدد موظفي الشركة 75 ألف موظف، يعملون في نحو 32 مصنعًا تابعًا للشركة.

وأصبحت شركة زو المُمد الرئيسي لشاشات الهواتف الذكية، لكبرى شركات التكنولوجيا، منها: هواوي، وسامسونج وآبل، وتمثل عائدات سامسونج وآبل نحو 75% من عائدات شركة زو، وتصنع الشركة أيضًا عدسات للكاميرات، وشاشات أجهزة الكمبيوتر، وبلغ العائد السنوي للشركة لعام 2016، 15.5 مليار يوان (وهو ما يوازي 2.3 مليار دولار) وقد وتوسعت ثروة زو لتصبح أغنى امرأة عصامية في العالم، لعام 2017، وفقًا لتصنيف مجلة فوربس، بثورة إجمالية بلغت 7.40 مليار دولار.

وتُقدر وكالة بلومبرج العالمية، الثروة الحالية لزو، بأرقام مُحدثة ليوم 25 أغسطس (آب) 2017، بـ10.2 مليار دولار، يمكنها بها شراء ما يعادل 7.95 مليون من أوقية  الذهب، أو شراء 194 مليون برميل نفط خام، وتعادل ثروة زو  0.202% من إجمالي ثروة  أغنى 500 شخص في العالم،  ووصلت ثروة  زو ذروتها في 15 أغسطس(آب)2017، بوصولها إلى 10.7 مليار دولار، مُرتفعةً عن أدنى مستوى لها الذي بلغ  6.16مليار دولار  في 18  يناير (كانون الثاني) 2017، بفارق 4.54 مليار دولار.

فلسفة زو في الحياة العملية..كيف وصلت للقمة؟

فقد والدي بصره، لذلك نضع كل شيء في مكانه المحدد، ولا بد أن يعود في مكانه الصحيح.. هذا الاهتمام أطالب به في كل مكان في العمل.

هكذا تشرح زو اختصارًا طبيعة عملها متأثرةً بمعاناة والده، وتلك الطبيعة التي كانت السبب في تفوق شركتها، واجتذابها لأكبر صانعي التكنولوجيا في العالم،  وتطبيقًا لتلك الكلمات تراقب زو كل خطوة تقريبًا في عمليات التصنيع، ويقول جيمس زو، المدير العام لشركتها « إن زو تجلس أحيانًا وتعمل كعاملة لمراقبة وجود أي خطأ في عملية التصنيع» ولفت جيمس إلى إحراجه من سؤالها «لماذا لم تُشاهد هذا؟» إذا ما وجدت خطأً في عملية التصنيع.

Embed from Getty Images

ويبدو أن المجال التي اخترقته زو  بصناعة شاشات الهواتف، شديد الدقة والصعوبة، وهو ما أكده  ستون وو ، المحلل في شركة أبحاث تكنولوجية عندما قال «هذه الصناعة تتطلب تكنولوجيا متطورة للغاية» موضحًا «استكشف مدى رقة  ونحافة 0.5 ميليمتر، وسوف تفهم مدى صعوبة تصنيع شيء رقيق كهذا».

وبالرغم من انفصال زو عن التعليم النظامي، في سن مُبكرة إلا أنها، لم تتوقف عن التعلم من الحياة العملية وسوق العمل في هذه الصناعة المتصاعدة، مُعتبرة أن «سر نجاحها هو شغفها بالتعلم»، كما أن زو جريئة ومقبلة على ما قد يخشاه البعض؛ إذ تطلق عليها إحدى قريباتها وشركائها في العمل، مُصطلح صيني « با دي مان» ويعني «الشخص الذي يجب أن يفعل ما يخشاه الآخرون ويجرؤ على  فعل أي شيء»، وتقول زو تأكيدًا لهذا المعنى «لا أريد أن أموت وأنا نادمة على أشياء لم أفعل».

ويصف جيمس هوليس المسؤول التنفيذي عن شركة كورنينج، والمساهم في شركة زو «عدسات التكنولوجية»، زو  بـ«سيدة أعمال متحمسة» مُوضحًا « لقد شاهدت شركتها تنمو بفريق قوي، والآن لديها أكثر من 100 منافس، ولكن شركتها لاعب من المستوى الأول».

نجاح «غير مماثل» في حياتها الزوجية

اختارت زو منذ البداية حياة مختلفة عن أقرانها الفتيات في القرية التي ترعرعت فيها، بذهابها إلى المدرسة، وانشغالها بالعمل؛ إذ تقول زو «في القرية حيث نشأت، لم يكن لكثير من البنات اختيار الالتحاق بالمدرسة، فهن يُخطبن ويتزوجن، ويقضين بقية حياتهم في القرية»  مُضيفة «لقد اخترت أن انخرط في الأعمال، ولم أندم على ذلك».

وبالفعل النجاح الذي وصلت إليه زو في مجال الحياة المهنية والعمل، يجعلها لا تندم على الطريق الذي اختارته منذ  البداية، ولكن يبدو أن حياتها الزوجية لم تكن بنفس النجاح في حياتها المهنية، فلقد تزوجت زو من مسؤولها في المصنع الذي كانت عاملة فيه، وأنجبت منه طفلة، قبل أن تنفصل عنه، و تتزوج في 2008 بزنج جانلوج، زميلها في المصنع القديم، ويمتلك نحو 1.4% من شركة زو، وأنجبت منه طفلًا يعيش في منزل العائلة بهونج كونج، تلك البلد التي تحمل  زو جنسيتها، وتمتلك عائلتها فيها عقارات بنحو 27 مليون دولار، وبعيدًا عن العمل تهوى زو رياضتي البينج بونج وصعود الجبال.