تشو هايلون.. رحلة في عقل مهندس تعذيب المسلمين في الصين

المتاريس تملأ المكان، والغضب يتصاعد والفوضى تزداد. 150 قتيلًا على الأرض، و816 مصابًا على جانبي الميدان. في الخامس من يوليو (تموز) عام 2009 اشتعل صراع بين الإيجور والهان. الإيجور مسلمون أقلية في الصين، والهان قومية صينيّة معترف بها. 200 فرد على أقصى التقديرات من الإيجور نزلوا للشارع مطالبين بالتحقيق في قتل اثنين منهم في جنوب الصين، ردّت الشرطة بنشر 1000 فرد، على أبسط التقديرات، حول المظاهرة السلمية وبدأوا عشوائيًا في إطلاق النار.

الإقليم الذي يسكنه أكثر من 8 ملايين مسلم تحوّل لساحة حرب، ونزل أبناء قومية الهان لمساندة الشرطة. أبناء الهان يتم جلبهم للإقليم بصورة مدروسة من أجل إحلالهم مكان المسلمين في كل المناصب والوظائف العامة، وفي المقابل يتم فرض قيود صارمة على دخول أي مسلم جديد إلى الأقليم. لم تغب شمس الخامس من يوليو (تموز) إلا واعتقلت الشرطة 1379 رجلًا و55 امرأة للاشتباه بمشاركتهم في المظاهرات التي لم يكن فيها إلا 200 فرد.

«الإندبندنت»: اغتصاب جماعي وتجارب دوائية.. شهادة معتقلة في سجون المسلمين بالصين

حافلات عامة انفجرت جراء الإطلاق العشوائي للنار، وداهمت الشرطة منازل عدة، وقالت إنها عثرت على مخططات لنقل الأحداث لمدن صينيّة أخرى. ظلت الأحداث تتصاعد حتى 12 يوليو 2009، في ذلك اليوم أعلنت السلطات منع التجمع تمامًا وإطلاق النار الفوري بدون إنذار على أي متظاهر. قُتل بالفعل شخصان من الإيجور، وآخر في بلدة أورومتشي. وتعهد رئيس الحزب الشيوعي لي زي بتوقيع أقصى العقوبة على المسئولين عن أحداث الشغب الأكثر دموية منذ قيام الصين الجديدة عام 1949. واختارت السلطات الصينية الرجل المناسب لتنفيذ هذا الانتقام.

المهندس المجهول ينكشف

10 سنوات كان اسم الرجل مجهولًا، لا أحد يعرف عما يحدث للإيجور ولا من المسئول عن ذلك. تكشّفت الأحداث عبر العديد من التسريبات الصحافية وبدأ العالم يكوّن صورةً شاملةً على ما يحدث داخل الإقليم، لكن ظل مهندس عمليات التعذيب والقمع مجهولًا. حتى 25 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، يوم نشر وكالة أسوشيتيد برس لتقارير مسربة تحمل توقيع تشو هايلون.

الوثائق ترجع لعام 2017 وتحمل توقيع تشو بصفته رئيسًا للجنة الشئون السياسية والقانونية في الحزب الشيوعي في شينجيانج. التوقيع لم يكن واضحًا لكن تعرّف عليه عبدويلي أيوب. أيوب، من الإيجور المسلمين، كان يعمل مترجمًا لغويًا في مدينة كاشجر في فترةٍ كان تشو أرفع مسئولٍ فيها. وكان أيضًا مكروهًا من تشو لأنه أسس مدرسةّ لتعليم الأطفال الإنجليزية والصينية ولغة الإيجور. راجت المدرسة وسط النخبة المثقفة والثرية من أهالي شينجيانج، فزاد ذلك غضب السلطات تجاهها.

 

اعتُقل أيوب عام 2013 بعد أن رفض إغلاق المدرسة، قضى 15 شهرًا في محبسه تعرض خلالها للاستجواب من الثامنة صباحًا حتى السادسة مساءً. كما وضع في غرفة احتجاز منفردة متلقيًا ألوانًا من التعذيب والذل. حتى أفرجت عنه السلطات مقابل نفيه إلى تركيا حيث يعيش حتى الآن. على النقيض من أيوب كان تشو هايلون مكروهًا للغاية من المسلمين الإيجور، رغم أنّه يعيش بينهم منذ أيام شبابه الأولى. تشو، 62 عامًا، وُلد في ريف جيانجسو على ساحل الصين لكنّه انتقل إلى شينجيانج أثناء فترة الاضطراب التي تلت الثورة الثقافية.

كان انتقاله جزءًا من خطة الحزب الشيوعي لإرسال شباب مُتعلم من المدن للعيش في الأقاليم النائية لعدة سنوات. معظم أقران تشو هايلون لم يستطيعوا التحمل وعادوا سريعًا لكن لم تشو يغادر شينجيانج منذ دخوله إليه عام 1975 وهو ابن 17 عامًا. عام 1980 كان بداية الانطلاق لتشو هايلون إذ انضم فيه للحزب الشيوعي، وترقى سريعًا فيه حتى صار على قمة الهرم. وصوله السريع كان لأنه شبيه بالإيجور لا الهان، السنوات الطويلة التي قضاها في شينجيانج جعلت متقنًا للغة الإيجور ومطلعًا على أحوالهم أكثر من أي مسؤول صيني آخر. ونقلت أسوشيتيد برس عن مصدر رفض ذكر اسمه أن تشو هايلون كان يُصحح لمترجميه في الاجتماعات، وكان عند حديثه لا يمكن الشك أنه من الإيجور لا الهان.

الحكم بالحديد والنار

يصفه المسلمون الذين تعاملوا معه بالثعلب الماكر الذي يتلاعب بعقلك قبل أن يأكل جسدك، فقد استطاع أن يخلق حالةً من الانقسام حوله داخل مسلمي الإيجور. فريق يراه رجلًا مهذبًا يمثل حلقة وصل بين الهان والإيجور، وفريق يراه المسؤول عن كل حملات الاعتقالات والترّصد التي يعانيها مسلمو الإقليم، حتى ظهرت الوثائق فحسمت الأمر. وبات اسمه موجودًا في أغنية شعبية يغنيّها فلاحو الإقليم تشو هايلون قادم بوصفه إشارة تحذيرية لبعضهم عند شعورهم أن قوات تشو على وشك مداهمة أي منزل من منازلهم في الثالثة فجرًا، ساعته المفضلة للمداهمة.

لم يكن المسلمون وحدهم من أجمعوا على أنّه ثعلب ماكر، بل السلطات الرسمية أيضًا. العاصمة كانت ترسل مندوبًا صينيًا بصفة مستمرة للتواجد على رأس قيادة إقليم شينجيانج، يعتبرون ذلك تدريبًا للشخص تمهيدًا لتوليه مناصب أعلى في العاصمة. بعد أحداث عام 2009 عيّنت العاصمة لجنةً لتختار رجلًا يصلح لقيادة شينجيانج، فخلصت اللجنة أن تشو هو الأحق بذلك المنصب، لا لقربه من أبناء الإقليم من الإيجور، بل لأنّهم رأوا فيها قدرة على القمع أكثر من أي رجل آخر يمكنه تولي هذا المنصب.

 

في الأيام الثلاثة الأولى من حكمه جلس في مركز الشرطة لم يفارقه. أثارت تلك الخطوة رعبًا بين السكان وصدق توقعهم فقد توعد في يومه الأول بتشديد قبضته على الإقليم. منح قوات الشرطة السلطة لمداهمة جميع أحياء الإيجور، قبض على عشرات المئات لمحاكمتهم بتهم مختلفة، وغطى الإقليم كاملًا بعشرات الآلاف من كاميرات المراقبة.

حكم تشو الإقليم بقبضة من نار، زاد لهيب النار عام 2014. في العام المقصود زار الرئيس الصيني تشي جين بينج الإقليم، وبعد مغادرته وقع انفجار في محطة قطار أورومتشي. قتل الانفجار ثلاثة وجرح 80 فردًا، لكن تشو توعد الإقليم بقبضةٍ أسوأ ستقتل المئات وتعتقل الآلاف. طوال عامين بعد الانفجار ذاق مسلمو الإيجور مرارات الاعتقال في معسكرات الاعتقال التي بناها تشو.

اتحاد المطرقة والمِنجل

عام 2016 لم تخف القبضة بل تغيّرت اليد، أصدرت السلطات المركزية قرارها بتولية تشن كوانجو حكم الإقليم. كوانجو أكثر صرامة من تشو، ومع ذلك لم يتخل عن تشو بل عينّه لجهاز الأمن والقانون في المنطقة. بذلك صار الإقليم تحت قبضة كوانجو القادم من ممارسة عمله باعتباره مسئولًا عن تقنيّات المراقبة وعمليات القمع في التِبت، بجانب تشو الذي منحه الخروج من المنصب حريةً أكبر في ممارسة قمعه والتفكير في أساليب جديدة.

كان تشن كوانجو تجسيدًا للحزب، لكن تشو هايلون هو الذي يعلم ما كان يجب فعله، من يجب توقيفه وكيفية المضي قدمًا *أسوشيتيد برس

تحت قبضة الرجلين اختفى المسلمون، حقيقةً لا مجازًا، بدأت أعداد ضخمة من مسلمي الإيجور في التلاشي. الوثائق المسربة أظهرت السر وراء اختفائهم أن تشو قاد العديد من حملات الاعتقال الجماعية. كما أكد التلفزيون الرسمي الصيني أن تشو يتفقد معسكرات الاعتقال بنفسه يوميًا، ويشرف شخصيًا على حملات الاعتقال الجماعي.

كما أظهرت الوثائق أن تشو بينما كان يعمل على تعبئة قوات الأمن ضد مسلمي الإيجور بدأ في تشكيل فكرة معسكرات لإعادة التأهيل. تكون تلك المعسكرات ضخمة لتضم أعدادًا كبيرة قد تصل إلى كامل سكان الإقليم. تشو وضع تصوره الأولي لتلك المعسكرات أنها مكان يتم فيه مراقبة المحتجزين طوال 24 ساعة يوميًا، حتى وقت ذهابهم للحمام. ويُمنع أي حوار بين المُحتجزين وموظفي المكان. ويتم طوال اليوم تعريض المحتجز لتعذيب نفسي وجسدي وإجباره على مخالفة كل ما يؤمن به.

انتهت حياة تشو الرسمية عام 2018 بتقاعده من منصبه بعد بلوغه الستين طبقًا لأعراف الحزب. لكن لم تستطع السلطات الرسمية التخلي عن صاحب الفكرة الجُهنميّة، فتم انتخابه رئيسًا للبرلمان الإقليمي باعتبار ذلك مكافأة نهاية خدمة، وليبقى قادرًا على مراقبة نمو بذرة المعتقلات التي غرسها والتدخل متى شاء لتطويرها وجعلها مكانًا أفضل للسلطة الحاكمة وأسوأ للمحتجزين بداخله. حتى بعد رحيل تشو هايلون ستظل بصمته حاضرة، ومعسكرات الاعتقال التي بناها وتتكشف بشاعتها يومًا بعد الآخر ستظل شاهدةً على وجوده في السلطة ذات يوم.

«فورين بوليسي»: هكذا تتربح الصين من «استعباد» الإيغور

الصينتشو هايلونمسلمي الإيجورمعسكرات الاعتقال

المصادر