تشكو زيمبابوي من أن الغرب أدار لها ظهره، ويُلقى الرئيس إمرسون منانجاجوا باللوم على العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة عام 2003، في إحداث الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، فيما لا تلقى المطالب الأمريكية بتطبيق إصلاحاتٍ سياسية واقتصادية قبولًا حسنًا في هراري، ويواصل منانجاجوا خنق أي شكل من أشكال الاحتجاج العام ضد حكومته.

وفي الوقت ذاته تزداد الشكوى أنينًا من التعهدات الصينية التي لم تُنفذ على أرض الواقع، ولم تقدم أي خطة إنقاذ مالية. وحتى زيارة وزير الخارجية الصيني وانج يي، في يناير (كانون الثاني) الفائت، لم تسفر سوى عن تعهدات تتعلق بتدشين المزيد من مشروعات البنية التحتية التي تنفذها الصين.

وعلى وقع صرخات المحتجين، ذوي المعدات الفارغة والمرتبات غير المدفوعة، والآفاق القاتمة التي تخيم على عام 2020 مع تفاقم الأزمة الاقتصادية، وتحذير زعيم المعارضة نيلسون تشاميسا بأن «بلادنا تحترق»، يممت زيمبابوي وجهها صوب الإمارات العربية المتحدة، في محاولةٍ مستميتة لإيجاد منقذ يمكنه وقف سقوطها الاقتصاديّ الحر. 

سقوط زيمبابوي الحر.. اقتصاد منهار وشعب جائع

اقتصاد زيمبابوي في حالة سقوط حر؛ إذ عانى من الانكماش بأكثر من 6%، وفقًا للتقديرات الرسمية، وارتفع التضخم إلى ما يزيد على 500%، وانخفضت قيمة عملة زيمبابوي بأكثر من 90% مقابل الدولار منذ فبراير (شباط) من العام الماضي.

Embed from Getty Images

وزاد معدل التضخم على أساس شهري باطراد منذ أن طبقت حكومة منانجاجوا سلسلة من تدابير التقشف في أواخر عام 2018؛ وارتفع إلى 175% في يونيو (حزيران) الماضي. ويحتاج حوالي ثلث سكان هذا البلد، البالغ عددهم 16 مليون نسمة، إلى المساعدات الغذائية الإنسانية بسبب الجفاف والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، وفقًا لـ«الأمم المتحدة». 

وأدى انخفاض قيمة العملة، وترشيد المياه على فترات طويلة، وقطع الكهرباء لمدة 18 ساعة؛ إلى إثارة النشطاء والمعارضة الذين طالبوا الشعب بالنزول إلى الشوارع، لكن حين يرتفع سعر الوقود بنسبة 150%، فهل يحتاج الشعب بعدها إلى من يشجعه على الاحتجاج؟ 

وحين يقول «برنامج الأغذية العالمي» التابع للأمم المتحدة إن حوالي نصف سكان زيمبابوي يحتاجون إلى المساعدة للحصول على ما يكفي من الغذاء بحلول عام 2020؛ فلا غرابة أن تجعل مجلة «الإيكونومست» تقريرها عن زيمبابوي بعنوان «أرض الأمل والقلق.. اقتصاد زيمبابوي ينهار وشعبها جائع». 

«زيمبابوي مفتوحة للتجارة».. شعار منانجاجوا الذي يطرق به أبواب العالم

الإمارات ليست الدولة الوحيدة التي تتطلع إليها زيمبابوي لجذب الاستثمارات المحتملة؛ فمنذ تولي إمرسون منانجاجوا السلطة، خلفًا لـروبرت موجابي عقب انقلاب نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، كرر شعاره «زيمبابوي مفتوحة للأعمال التجارية».

وبعيدًا عن الغرب والصين، قام منانجاجوا برحلتين إلى روسيا والجمهوريات السوفيتية السابقة، أسفرتا عن إحياء الاهتمام بمشروع البلاتينيوم، وأسطول الحافلات المستعملة التي تسير الآن في شوارع العاصمة هراري، وأعربت روسيا البيضاء عن اهتمامها بقطاع الزراعة في زيمبابوي.

Embed from Getty Images

رئيس زيمبابوي إمرسون منانجاجوا

وبحلول مايو (أيار) 2019، أُعلِن عن تعهدات استثمارية بقيمة 27 مليار دولار في مشروعات تتراوح ما بين مصانع الصلب إلى المسالخ. لكن برغم هذا كله، لا توجد مؤشرات مطمئنة على حدوث تطوُّر على صعيد هذه التعهُّدات، حسبما يوضح تقرير نشرته وكالة «بلومبرج». 

الإمارات في زيمبابوي.. خطط اقتصادية وجهود دبلوماسية ومساعدات إغاثية

في هذا المناخ، تواصلت حكومة زيمبابوي مع الإمارات؛ على أمل بيع حصة في شركة «النفط الوطنية»، وفقًا لما ذكره ثلاثة مسؤولون في الشركة والحكومة على دراية بالخطة، لوكالة «بلومبرج». وقال المسؤولون إن الحكومة «تريد أيضًا من الشركات الإماراتية شراء المزيد من الذهب».

العالم والاقتصاد

منذ 9 شهور
بعد عامين من عزل موجابي.. لماذا لم تعالج الديمقراطية أزمة زيمبابوي الاقتصادية؟

وزارت وفود من رجال الأعمال الإماراتيين زيمبابوي مؤخرًا لاستكشاف الفرص هناك. وقال الرئيس منانجاجوا إن بلاده ستستعين بدولة الإمارات العربية المتحدة «في بناء محطات للطاقة الشمسية بقدرة تصل إلى ألفي ميجاوات». 

ويهدف هذا المشروع إلى سد العجز في إنتاج الكهرباء يقدر بنحو ألف ميجاوات، في مقابل طلب على الطاقة يبلغ 2100 ميجاوات، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث انقطاعات في التيار الكهربائي لمدد تصل إلى 18 ساعة في اليوم، مما يؤثر سلبيًّا في قطاع التعدين، وبالتالي في النمو الاقتصادي للبلاد.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، أصدر رئيس دولة الإمارات الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان في ديسمبر (كانون الأول) 2018 قرارًا بتدشين سفارة لبلاده في زيمبابوي. وعلى الصعيد الإغاثي، ساهمت دبي أيضًا في جهود الإغاثة عندما تعرضت زيمبابوي لإعصار في العام الماضي، وتبرعت بمعدات طبية بقيمة ملايين الدولارات.

ما الذي قد يجذب الإمارات في زيمبابوي؟ 

صحيحٌ أن زيمبابوي «في حاجة ماسة إلى الاستثمار»، لكن الوضع المزري الذي تحياه يشبه كرة الثلج؛ لا يعرف أحد إلى أين سينتهي به المطاف، حتى إن جي إيه فان دير ليندي، المحلل الاقتصادي في «إن كي سي أفريكان إيكونوميكس»، قال: «لا أعرف كيف سيكون ذلك جذابًا لدولة الإمارات العربية المتحدة».

وما يرسم مزيدًا من علامات الاستفهام بخصوص هذه العلاقة، أن شركات النفط الإماراتية قالت إنها لا تعلم بشأن هذا الاهتمام من جانب زيمبابوي، فيما لم ترد وزارة الخارجية الإماراتية على طلبات التعليق التي قدمتها وكالة «بلومبرج» بهذا الصدد.

ويأتي تواصل زيمبابوي مع الإمارات بعدما رفضت عدة دول أخرى، ومن بينها الصين، الالتزام بتقديم المزيد من المساعدات، لكن ما يزال من غير الواضح إذا ما كان الاهتمام الإماراتي بدعم زيمبابوي سيكون مختلفًا ويؤتي ثماره، حسبما لفت موقع «ستراتفور». 

«النظر شرقًا».. سياسة زيمبابوي التي وضعها موجابي

تصوغ زيمبابوي علاقتها مع الإمارات في سياق سياسة «النظر شرقًا»، التي دشنت في عام 2003، لتوسيع العلاقات الثنائية والتجارية، وأكد الرئيس السابق روبرت موجابي هذه العلاقة خلال زيارة الشيخ سعود بن صقر حاكم إمارة رأس الخيمة إلى زيمبابوي في فبراير 2013، تُوِّجَت بتوقيع مذكرة تفاهم بشأن ستة مجالات للتعاون: التعدين، والرعاية الصحية، والطاقة، وصناعة السياحة، والتجارة، والزراعة.

Embed from Getty Images

الرئيس السابق روبرت موجابي

وحظيت العلاقات الثنائية بين البلدين بدفعة قوية في عام 2012 بتوقيع اتفاقية «السماء المفتوحة»، التي سمحت بالوصول الكامل إلى الطرق مع تعزيز العلاقات التجارية وتعزيز حركة الأشخاص بين البلدين.

وأصبحت الإمارات خلال العقد الماضي شريكًا تجاريًّا واستثماريًّا مهمًّا لزيمبابوي. وفي العام 2018، كانت الإمارات خامس أكبر سوق لصادرات زيمبابوي، وعاشر أكبر سوق للواردات. ويتلقى عدد كبير من طلاب زيمبابوي تعليمًا جامعيًّا عالي الجودة في جامعات دبي، وبعضهم حصل على منح دراسية كاملة.

لماذا تيمم زيمبابوي وجهها صوب للإمارات؟

زيمبابوي عرضة لنقص متكرر في وقود السيارات، وترى أن وجود علاقة مع الإمارات العربية المتحدة، ربما من خلال شركة «بترول أبوظبي الوطنية»، وسيلة لتأمين إمداداتها المطلوبة، حسبما قال أحد المصادر لوكالة «بلومبرج».

وتستهلك الدولة الواقعة في الجنوب الأفريقي 1.4 مليون لتر من البنزين و2.5 مليون لتر من الديزل يوميًّا، طبقًا لـ«هيئة تنظيم الطاقة» في زيمبابوي.

وقال فورتشن تشاسي، وزير الطاقة في زيمبابوي: «إننا نعمل من أجل إقامة ترتيب دائم مع الدول الصديقة، ويشمل ذلك الإمارات العربية المتحدة»، لكنه رفض التعليق مباشرة على ما إذا كانت زيمبابوي قد توصلت إلى اتفاق مع دولة الإمارات.

وقالت المصادر التي رفضت الكشف عن هويتها إن زيمبابوي تريد بيع حصة تصل إلى 25% في «الشركة الوطنية للبنية التحتية للنفط (NOIC)» التي تمتلك مستودعات للتخزين في ميناء بيرا في موزمبيق المجاورة، بالإضافة إلى خمسة مواقع في زيمبابوي. وتمتلك أيضًا محطات وقود وخط أنابيب يجلب المنتجات النفطية من بيرا إلى موتاري لشركات مثل «بوما إنيرجي» في شرق زيمبابوي.

تفاؤل إماراتيّ.. هل تصبح زيمبابوي «سلة خبز أفريقيا» مرة أخرى؟

 يعزو المحلل الجيوسياسي للأسواق الناشئة، زاكاري كامبل سميث، اهتمام الإمارات بزيمبابوي إلى التغيير الكبير الذي طرأ على البلاد بعد رحيل موجابي من السلطة، وانفتاح الإدارة الجديدة على الاستثمار الأجنبي. 

في عام 2017، سجلت زيمبابوي فائضًا تجاريًّا بقيمة 307.6 مليون دولار أمريكي مع الإمارات، وهي مصالح تجارية تتنوع بين تكنولوجيا المعلومات، والتعدين والطاقة المتجددة، والزراعة، والسياحة، والصحة.

بل يذهب سميث إلى أن دولة الإمارات ترى أن أمام زيمبابوي فرصة لتصبح مرة أخرى «سلة خبز أفريقيا»؛ إذا حظيت بما يكفي من الاستثمارات ووظفت التكنولوجيا المناسبة.

صحيحٌ أن تفاؤل سميث حذر، نظرًا إلى التحديات الحقيقية التي تواجه زيمبابوي، لكنه يتوقع زيادة الاستثمارات الإماراتية بواقع ضعفين إن لم يكن ثلاثة أضعاف في المستقبل المنظور. 

سياسة

منذ سنة واحدة
التنين الصيني السخي.. ليس «فاعل خير» في أفريقيا!

المصادر

تحميل المزيد