لكل دولة في التاريخ مُنحنى حضاري يتتابع فيه الظهور فالصعود فالذروة، ثم الانحدار فالانهيار، ودائمًا ما يحفظ التاريخ أسماء أبرز الشخصيات الفاعلة في مسار تلك الدول، لا سيَّما من أسهموا بأدوارٍ خاصة في المنعطَفات الرئيسة في حياة الدولة صعودًا وهبوطًا.

وعند الحديث عن دولة الأغالبة التي هيمنت لقرنٍ ونيِّف على تونس وجوارها من المغرب الأوسط، وامتدَّ نفوذها عقودًا إلى الجهة الأخرى من البحر المتوسط، لا سيَّما في إيطاليا الجنوبية، فإن تسليط الضوء على الأمير زيادة الله الأول الأغلبي يصبح مهمًا، فقد وصلت في فترة حُكمه تلك الدولة إلى أحد أبرز عصور عنفوان قوتِّها العسكرية والسياسية، وكذلك امتدادِها الجغرافي، كما شهدَ عصرُه واحدًا من أشهر الفتوحات الإسلامية في التاريخ، وهو فتح جزيرة صقلية الإيطالية، وذلك رغم كثرة القلاقل والصراعات الداخلية بين فصائل الجُند في عهده.

وقد لفت الأنظار ظهور تلك الشخصية في مسلسل (فايكنج) في ثلاث حلقاتٍ من الموسم الخامس، إذ قام بدوره الممثل المصري خالد أبو النجا. ولسنا هنا بصدد مناقشة تفاصيل هذا الدور، ونصيب الحقيقة والدراما فيه، إنما سنسلط الأضواء على أبرز جوانب القصة التاريخية للأمير زيادة الله الحقيقية، لا سيَّما وأن بعض المشاهدين العرب شعروا بأن عرض شخصيته في المسلسل جاء وفق التنميط الاستشراقي للعربي والمسلم تاريخيًا، باعتباره شخصًا دمويًّا سريع البطش، ومحاطًا بالجواري والغلمان دائمًا.

الأغالبة على صفحة التاريخ

تعود أصولُ الأغالبة إلى قبيلة بني تميم العربية، وهو ينتسبون لإبراهيم بن الأغلب الذي كان في منتصف الأربعينيات من عمره عندما أُوكِلت إليه المهمة التي كانت بوابته لولوج كتب التاريخ. كثيرًا ما شاعت الفتن والاضطرابات في الأقاليم الغربية من العالم الإسلامي في القرن الثاني الهجري، وذلك نظرًا لبُعدِها عن مركز الدولة العباسية في مدينة بغداد. من أجل ذلك، ولى الرشيد عام 184 هجريًا (800 ميلاديًا) إبراهيم بن الأغلب، إمارة إفريقيَّة – تونس وجوارَها – ومنحه شبه استقلالية في اتخاذ القرار، مع إمكانية أن يُورِثَ حكم الولاية إلى أبنائه، في مقابل اعترافه بسلطان الدولة العباسية، والدعاء للرشيد على المنابر، ودفع 40 ألف دينارٍ ذهبي للخزانة العامة ببغداد.

كان إبراهيم بن الأغلب مقاتلًا صلبًا، وكان يوصَفُ كذلك بالدهاء والفِطنة، وكان والده الأغلب من الذين شاركوا في الثورة العباسية ضد الأمويين، إذ كان من رُفقاء أبي مسلم الخراساني أحد أبرز قوَّاد تلك الثورة.

تاريخ وفلسفة

منذ سنتين
أبو مسلم الخراساني.. الخادم الفارسي الذي أقام دولةً فقتلته!

استمرَ ابن الأغلب في حكم إفريقية وأجزاءٍ من المغرب الأوسط حوالي 12 عامًا، حتى تُوُفِّيَ عام 196هـ (812م)، لكن لم تكن طريقُهُ في سنواتِ حكمه مفروشةً بالورود، فقد خاض العديد من الحروب الداخلية ضد المتمردين، لا سيَّما من قبائل البربر، وبعض طوائف الجُند العرب، مما دفعَه إلى تأسيس عاصمةٍ إدارية جديدة لدولته أسماها العباسية، على مقربةٍ من القيروان، العاصمة التقليدية لإفريقيَّة. كما استجْلَب المئات من الجنود السودانيين ليُعزَّزَ قوَّتَهُ بهم، ويكسِر هيمنة الجُند العرب.

قبل وفاته، أوصى إبراهيم بالإمارة من بعده لابنه عبد الله المُلقَّب بأبي العباس، والذي كان مُحاصَرًا في طرابلس – عاصمة ليبيا الآن – عند وفاة أبيه، أثناء مواجهته لبعض المتمردين على حكومة أبيه، لكن نجحَ أخوهُ زيادة الله في ضبط الأمور، وأخذ البيعة لأبي العباس.

لم يشهد عهد أبي العباس أحداثًا ذات قيمة كبيرة، وأُخذَ على أبي العباس ميله إلى البطشِ والاستبداد، كما كان يعوزُه الكثير من حِنكة وفِطنة أبيه المؤسس. كذلك لم يحفظْ أبو العباس لأخيه زيادة الله دورُهُ البارز في حفظ المُلكِ له في غيابِه، وتثبيت البيعة له، فلم يكُن يُعلي قدرَه. بعد خمس سنواتٍ فقط في الإمارة، تُوُفِيَ أبو العباس بن إبراهيم عام 201 هـ (817 م) بعد أن أصابَه المرض على حينِ غّرَّة، مفسحًا المجال أمام أخيه زيادة الله ليتبوَّأ سُدَّة الإمارة الأغلبية.

زيادةُ الله.. المعتزلي يحكم المالكية بالعدل

تولّى زيادة الله إمارة إفريقيَّة عام 201 هـ (817 م) في فترة خلافة المأمون العباسي، والذي ثبَّتَهُ في موقِعه، لكنَّهُ طلبَ منه أن يمنح الولاء الاسمي والخطبة إلى عبد الله بن طاهر الوالي العباسي لمصر، وكان أثيرًا لدى المأمون، فوافقَ زيادة الله على ذلك على مضض.

عادت الاضطرابات والفتن للتفاقم، لا سيَّما من قَبَل طوائف الجند، فاندلعت بينَهُم وبينَ زيادة الله حروبٌ عديدة استمرَّت أعوامًا، ووصلت ضراوتها بعد تلك التمردات إلى حد تهديد كيان الدولة الأغلبية بالكلية، من أبرز تلك الأمثلة ثورة منصور الترمذي عام 207 هـ (824 م)، والذي نجح في الاستيلاء على تونس والقيروان، بعد أن انتصر على قوات الأمير في معارك متتالية، ثم انطلق بقواتِه ليحاصر زيادة الله في العباسية، لكن نجح الأمير في هزيمته خارج أسوارها، ثم استعاد سُلطته على القيروان وتونس.

كان من أبرز مكامن الاضطراب أيضًا في عصر زيادة الله، كونه كان يتبنى مذهب المعتزلة مثل أبيه، ومثل الخليفة العباسي المأمون، والذي في أواخر عهده امتحن علماء عصره في بعض قضايا مذهب الاعتزال كخلق القرآن، وكان قاضي القيروان في عهده من أئمة المعتزلة، بينما كان الكثير من علماء إفريقيَّة على المذهب السني المالكي (والذي ما يزال رائجًا إلى اليوم في المغرب الإسلامي). لكن لم يكن زيادة الله متعصِّبًا لمذهبه، وكان منفتحًا على الفقهاء المالكية، ومن أبرز أمثلة ذلك إيكالُه قيادة حملة فتح صقلية للفقيه المالكي الشهير أسد بن الفرات، والذي يُلقِّبُه المؤرخون المسلمون بفاتح صقلية.

رغم كثرة الحروب الداخلية والخارجية، وما مثَّلتْهُ من ضغطٍ بارزٍ على موارد الدولة، فقد تمكَّنَ زيادة الله من توجيه بعض النفقات إلى العمران، وكان من أبرز مظاهر ذلك تجديد أسوار المدن وتحصيناتها، وتوسيع وتجميل جامع عقبة بن نافع الكبير بالقيروان.

فتح صقلية

لعل الحدث الأبرز الذي ارتبط باسم وعصرِ زيادة الله الأغلبي، هو فتح جزيرة صقلية، أكبر جزر البحر الأبيض المتوسط. ورغم أن الفتح الإسلامي لتلك الجزيرة الكبرى في البحر المتوسط قد استمرَّ عقودًا، إلا أن الجانب الأهم منه قد وقعَ في عصر زيادة الله الأول الأغلبي.

لم يكُن هذا الفتح بالطبع هو الأول للمسلمين في أوروبا، فالوجود الإسلامي في الأندلس كان قد مضى عليه قرنٌ وربع آنذاك. بل حتى صقلية نفسَها سبق وأن حاول المسلمون غزوها منذ عهديْ عثمان بن عفان ومعاوية بن أبي سفيان في القرن الأول الهجري. ولم يكُن غريبًا أن يُفكّرَ زيادة الله في غزو تلك الجزيرة الخاضعة آنذاك لحكم الروم البيزنطيين، العدو التقليدي للدولة الإسلامية منذ بدء انطلاق الجيوش الإسلامية في فتوحاتها.

كان فتح صقلية يحقِّقُ لزيادة الله الأغلبي مكاسب جمة في اتجاهاتٍ عديدة. فمن وجهة نظر سياسية، ممارسة الجهاد وفتح بقاع جديدة، يرفع من قدرِه وقدرِ دولته لدى كافة الناس عامةً، ولدى علماء الدين بوجهٍ خاص، مما يساهم كثيرًا في استقرار حُكمِه، وعُلُوِّ قدرِه. كذلك فقد كانت صقلية غنية بالموارد المختلفة، مما سيساهم في دعم خزينة دولته التي أرهقتها الحروب الكثيرة، كما أن موقعها حيوي على مقربةٍ شديدة من السواحل التونسية، مما يُسهِّل السيطرة عليها والاستفادة منها. أيضًا رأى زيادة الله أن إشغال طاقة الجُند بالغزو الخارجي خيرٌ من انصرافِهم إلى الفتن والاضطرابات والمطامع الداخلية.

سنحت الفرصة لزيادة الله الأغلبي للشروع في غزو صقلية عندما تمرَّد قائد الأسطول البيزنطي في صقلية (أوفيميوس) عام 826 م، وهزمَهُ خصومُه الموالون للإمبراطور البيزنطي، فلجأ إلى زيادة الله الأغلبي، والذي أعلن من طرفه الحرب، وحشد الآلاف من الجند، ومئات الفرسان، ووفر لهم العشرات من المراكب والسفن، ووضع الجميع تحت قيادة الفقيه أسد بن الفرات كما ذكرنا.

نجحت الحملة في تحقيق بعض الانتصارات الأولية ضد البيزنطيين، واستولت على بعض حصونهم، وفرضت الحصار على سيراكوز أحد أبرز قواعد صقلية آنذاك، لكن عجز المسلمون عن فتح تلك المدينة الحصينة، وانهالت الإمدادات البيزنطية، مما أخلَّ بالتوازن إلى غير صالح المسلمين، الذين حوصروا في معسكرهم، وشحّت الموارد كثيرًا، حتى هلك منهم المئات، ومنهم القائد أسد بن الفرات نفسه، والذي كانَ طاعنًا في السن، وكذلك قُتِل أوفيميوس.

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
كيف كانت حياة المسلمين قديمًا تحت حكم غير المسلمين؟

ظلَّ من بقي من المسلمين تحت الحصار في حصونهم الباقية لأكثر من عامين، حتى وصلت النجدات والإمدادات الكبيرة من تونس من طرف زيادة الله الأغلبي، وكذلك من المئات من الأندلسيين المتطوعين للجهاد (رغم الخلاف السياسي بين الدولة الأموية الأندلسية ودولة العباسيين التي كان الأغالبة يدينون بالولاء الاسميّ لها) والذين أصبح قائدهم واسمه الأصبغ هو القائد العام لقوات المسلمين، قبل أن يلقى حتفَهُ مع أكثرية الأندلسيين بعد أشهر قليلة، عندما فشا الطاعون في جيش المسلمين.

أسهمت النجدة الوافدة في كسر الطوق عن المسلمين المحصورين في صقلية، وعودتهم للهجوم مرة أخرى، فاستولوا على مناطق عديدة من الجزيرة، كان أبرزها في ذلك الوقت مدينة باليرمو عام 217 هـ (831م) والتي حوصِرَت قرابة العام، قبل أن تذعِن حاميتها للتسليم مقابل الأمان، ومثَّل سقوط باليرمو نقلةً هائلة في مسار الفتوحات الإسلامية في صقلية، لا سيَّما بعد أن اتخذها المسلمون قاعدة لمُلكِهِم في تلك الجزيرة، وأعادوا تعميرَها وتحصينَها.

رغم ذلك، فإن جولات الفتح الإسلامي لصقلية لن تكتمل إلا بعد حوالي 70 عامًا من فتح باليرمو، لكن إلى نهاية عهد زيادة الله الأغلبي، لم تُفتَح مدينةٌ أخرى كبيرة في صقلية. فسيراكوز مثلا استولى عليها المسلمون بعد أكثر من 40 عامًا من وفاة زيادة الله.

عام 223هـ (838م)، تُوُفّيَ زيادة الله الأغلبي، بعد أن قضى أكثر من 21 عامًا في إمارة الأغالبة، قمع خلالها الكثير من تمرُّدات الجند، وأدار حركة نشطة من أجل العمران، بالتوازي مع الشروع في فتح جزيرة صقلية، والذي ستتتابع فصولُه في العقود التالية. خلفَ زيادة الله الأغلبي في منصبه أخوهُ أبو عقال، والي كان فطِنًا كأخيه، فأحسنَ السيرة مع الرعية، وأكرم الجُند، وأمن اضطراباتهم، وافتتح أجزاءً من صقلية، وإقليم قللورية (كالابريا) جنوبي إيطاليا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد