قبل عقود طويلة، تحولت العاصمة الأمريكية واشنطن، إلى ساحة تنافس، تسعى إليها دول العالم قاطبة؛ من أجل كسب الرضاء الأمريكي، سواء من رئيس في البيت الأبيض، أو مواطن في شوارع المدينة، أو حتى وسائل إعلامها، ساعين إلى تحقيق ذلك بكُل الوسائل المشروعة وغير المشروعة.

الرضاء الأمريكي هذا، تحول في غالبية دول العالم إلى شرط أساسي لبقاء الحاكم على كرسي السلطة؛ إذ بلغ النفوذ الأمريكي أوجه علي كافة الأصعدة السياسية وغير السياسية. أحد هذه القطاعات التي وصل إليها مؤخرًا هذا النفوذ هو الطعام؛ إذ تحولت المدن الأمريكية حاضنة جديدة للتنافس بين الدول التي تسعى إلى نشر ثقافتها وفرض هيمنتها، وعلى رأس هذه الدول إسرائيل، التي تسعى إلى فرض هيمنتها على قطاع الطعام في أمريكا، وسط محاولات عربية على استحياء للدفاع عن هوية الطعام العربي.

الصراع على الطعام أيضًا.. هكذا تسرق إسرائيل التراث الفلسطيني

المطبخ الفلسطيني وسيلة إسرائيل الجديدة لتعزيز نفوذها في أمريكا

نجحت إسرائيل مؤخًرا بالتوسع في تشييد سلسلة من المطاعم في عدد من المدن الأمريكية، وهي مطاعم تُقدم الأكلات الفلسطينية على أنها إسرائيلية. لتتحول بذلك إلى أحد أكبر المستثمرين في مجال الأطعمة في أمريكا؛ مُتفوقة في ذلك على المطاعم كافة، وعلى رأسها المطاعم اللبنانية والسورية.

أطباق المقلوبة والحمصَ والفلافل والمسخن والشكشوكة والطحينة وغيرها هي الأطعمة الأكثر تداولًا في قوائم طعام المطاعم التي تروج لها على أنها «إسرائيلية»، وسط محاولة واضحة لطمس الهوية الفلسطينية، وتسويق نفسها باعتبارها المطاعم الوحيدة التي تقدم أطعمة الشرق الأوسط بشكل أفضل من أي مُنافس لها.

أحد أبرز المطاعم الإسرائيلية في الولايات المتحدة الأمريكية «مطعم NUR»، وهو مطعم إسرائيلي، متخصص في تقديم مأكولات الشرق الأوسط، ومملوك للشيف مئير أدوني، أحد أشهر الطهاة في إسرائيل. والذي كان مسؤولًا عن برنامج الواقع لشؤون الطهي، ونال شهرة واسعة في الصحف الإسرائيلية. وبدأ الإسرائيلي ذو الأصول المغربية أنشطته في مجال الأطعمة بافتتاح أكثر من مطعم داخل إسرائيل، أبرزها مطعم «Lumina»، وآخر يُدعى «Blue Sky»، وواحد في فندق «Carlton Hotel».

ويعد الترتار الفلسطينية وقطايف رام الله، أحد أشهر الأطباق في المطبخ الفلسطيني التي يُقدمها المطعم الإسرائيلي في نيويورك، كما أنه يقدم كافة الأكلات الشرقية سواء من مصر، أو ليبيا، أو المغرب، أو تونس، والتي تجعل الشيف الإسرائيلي مع شريكه الإسرائيلي الآخر غادي بيليغ، الذي يملك سلسلة مخابز تنتشر فروعها بين إسرائيل، والولايات المتحدة الأمريكية، ملوك أطعمة الشرق الأوسط في أمريكا.

Image may contain: 1 person, smiling, standing

الشيف الإسرائيلي، مالك مطعم «NUR»، مئير أدوني. مصدر الصورة

أبرز الأكلات التي روج بها الشيف الإسرائيلي لمطعمه في نيويورك هو الأرز الفلسطيني، وهو طبق يجمع اللحم البقري المفروم مع الأرز والثوم والزبيب والصنوبر؛ ويبرر مئير تقديم هذه الأطعمة، باعتزازه بأصوله العربية، وتكريمه للمطعم الشرقي، والطهاة العرب الذين يعملون في مطاعم داخل إسرائيل.

واستمرارًا لهذه الحرب؛ قامت إسرائيل بتصدير المفتول الفلسطيني إلى أمريكا والغرب تحت اسم كسكس إسرائيلي، وكذلك الشاورما بوصفها أكلة إسرائيلية، كما كتبت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في ذلك الموضوع مقالًا يعد بمثابة استكمال السطو الذي تتبعه دولة الاحتلال.

«المذاق الإسرائيلي» أحد أشهر الكُتب رواجًا داخل المدن الأمريكية، ويضم عددًا من الأكلات الفلسطينية والعربية قدمتها المنظمات الإسرائيلية على أنها «تراث إسرائيلي»؛ إذ روجت له وزارة السياحة الإسرائيلية في العديد من دول العالم، بحثًا عن شهرة أكبر لمطاعمها.

Embed from Getty Images

سلطة حمص وفلافل فلسطينية

إلى جانب المطاعم الإسرائيلية التي تُمثل الواجهة الرئيسية لتقديم أكلات الشرق الأوسط في أمريكا، تتواجد مطاعم عربية، أسسها مُهاجرون عرب، أبرزها المطاعم اللبنانية، والذي يبرز من بينها مطعم «Cedars Lebanese Restaurants» في ولاية فيرجينيا، والذي يُقدم الأصناف اللبنانية مثل ورق العنب مع الأرز والكزبرة؛ ولكنها تأتي في مرتبة مُتأخرة عن المطاعم الإسرائيلية من حيث نسب الإقبال والانتشار.

وينطوي الاستثمار داخل أمريكا، وتحديدًا في المدن الكُبرى مثل نيويورك وواشنطن، في تأسيس المطاعم، على الكثير من المخاطرة، في ظل مُحددات كثيرة ترفع درجة التنافس، أبرزها الإيجارات المرتفعة، وضرورة استقطاب السكان المحليين والسواح على حد سواء، وهي الأمور كُلها التي تجعل حوالي 60٪ من المطاعم في الولايات المتحدة الأمريكية، تُقرر الإغلاق في السنوات الثلاث الأولى من افتتاحها.

وسيلة لجني الملايين.. كيف تنشر إسرائيل طعامها «الحلال» في الدول العربية؟

مصر تنافس إسرائيل بواسطة «زوبا»

انطلاقًا نحو الدخول في هذا التنافس، قررت سلسلة مطاعم «زوبا»، وهي مجموعة مطاعم متخصصة في تقديم الأكلات الشعبية المصرية، اعتزامها افتتاح أول فرع لها في الولايات المتحدة، الشهر المُقبل، وذلك بحي نوليتا في مانهاتن بولاية نيويورك. وقالت الشركة المالكة للمطاعم: إنها نجحت في جمع 4 ملايين دولار لتمويل الفرع الجديد، ولدعم مخطط للتوسع في الولايات المتحدة، على المدى الطويل.

وبدأت سلسلة المطاعم، المُختصة في تقديم أنواع من الطعام المصري المشهور الذي يُقدم عادة في الشارع، مثل الفول والفلافل والكشري، بافتتاح أول فروعها داخل حي الزمالك الراقي منذ مارس (آذار) 2012، قبل أن تتوسع داخل مصر؛ ليصبح عدد فروعها الآن ستة أفرع في القاهرة الكبرى، منذ افتتاح فرعها الأول. وقالت الشركة، في البيان الرسمي: إن تمثيل الأكلات الشعبية والثقافة المصرية حول العالم أصبح هو رسالتها وهدفها خلال الفترة المقبلة.

بدوره، يقول مصطفى الرفاعي، شريك مؤسس في مطاعم «زوبا»، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست»، إن الدافع الرئيسي وراء افتتاح فرع في نيويورك هو إعادة ابتكار الطعام المصري التقليدي، وتقديمه للمواطن الأمريكي بشكل جديد، خصوصًا أنه «لا يوجد اعتراف بالأكل المصري خارج مصر»، موضحًا أن الخطة الرئيسية للمطعم هى زيادة عدد الفروع داخل أكثر من ولاية إلى جانب نيويورك الفترة المُقبلة.

الكشري المصري

ويحمل الرفاعي هو وشريكه كريس خليفة الجنسية الأمريكية إلى جانب المصرية، فضلًا عن قضائهما سنوات طويلة داخلها قبل الاستقرار في مصر أواخر عام 2010، وهو ما شكل دافعًا رئيسيًّا لاختيار أمريكا لتأسيس أول فروع «زوبا» خارج مصر، وفقًا له.

يقول الرفاعي، الحاصل على دبلوم الطبخ من كلية «هنري فورد» الأمريكية بولاية ميتشجن، والذي عمل كذلك مُدرسًا فيها: «الأمريكيون لديهم حاسة تذوق قوية للأكل الغريب والجديد، والأكل المصري الشعبي غائب تمامًا عن أمريكا؛ بينما المطاعم الإسرائيلية أوجدت لها حضورًا واسعًا عبر تقديم الأكلات الفلسطينية، مُحققة من وراء هذه الخطوة رواجًا كبيرًا وأرباحًا مرتفعة».

ويقدم مطعم «زوبا» مجموعة واسعة من المأكولات المصرية من الفول والطعمية (الفلافل) إلى الكشري والحواوشي. بالإضافة إلى ذلك، يحضّر المطعم صلصات مصرية وسلطات ومخللات وخبزًا ومنتجات متفرعة منه، ومجموعة متنوعة من الحلويات والعصائر، وكل ذلك بأسعار معقولة، إذ يمكن أن تبلغ فاتورتك بين ستة إلى 10 دولارات (حوالي 100 إلى 180 جنيهًا مصريًّا).

ويؤكد الرفاعي من واقع خبرته الواسعة هو وأعضاء العمل في المجتمع الأمريكي، أن افتتاح فرع للمطعم المصري في نيويورك لن يكون الأخير داخل الولايات الأمريكية، قائلًا: «الشيف الرئيسي في فرع نيويورك سيكون مصريًّا أمريكيًّا؛ لأننا حريصون أن يكون مذاق الطعام مصريًّا خالصًا، يوظف فيها النكهات والمكونات المصرية المحلية، أما بقية العاملين في المكان لا يهم إن كانوا مصريين أم لا».

ويتوقع الرفاعي خلال حديثه مع «ساسة بوست»، من واقع معرفته بالسوق الأمريكية، ودراسة الجدوى التي تم إعدادها، بلوغ نسبة الأرباح بين 10- 15% بعد افتتاح فرعهم في نيويورك، موضحًا أن فرع المطعم في نيويورك سيكون مصممًا من الداخل على الطراز المصري، بحيث ينقل الجالس فيه إلى أجواء الحارة المصرية.

بالإضافة إلى الأرض.. ما الذي تسرقه إسرائيل من الفلسطينيين؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد