في عام 1996 تفاجأت الممرضة التي تعمل في عيادة طبيب الإنسان إدوارد زوكربيرج بإحدى ضواحي نيويورك بمارك ابن الدكتور إدوارد يخبرها بأنه قد توصل أخيرًا إلى حل لتحسين التواصل بينها وبين الدكتور من خلال برنامج محادثة (شات) أسماه «Zuckrnet» يُمكّنها من إخبار والده بأن هناك مريضًا في غرفة الانتظار دون الحاجة لكي تقوم من مقعدها وتخبره هي بنفسها.

لم تكن الممرضة أو حتى الطبيب زوكربيرج على علم بما سيصل إليه هذا الطفل، إذ كان البرنامج تقدمًا ملحوظًا في ذاك الوقت، فقد كانت الممرضة تضطر للقيام في كل مرة والدخول لغرفة الطبيب لإخباره بالحالة. واعتُبر هذا البرنامج الذكي أول إنجاز يخرج للنور من صاحب الاثني عشر عامًا والذي سيصبح بعد عدة سنوات واحدًا من أشهر وأكثر الرجال تأثيرًا في البشرية على الإطلاق.

«تايم»: ما الذي يعرفه «فيسبوك» عنك؟ اكتشف ذلك بالتفصيل خطوة بخطوة

مارك زوكربيرج و«فيسبوك».. إمبراطورية بدأت داخل غرفة النوم

كانت علامات النبوغ تظهر على الطفل الصغير من البداية، فقد كان ولَعُه بالبرمجة والكومبيوتر يجعله يقضي ساعات طوال في محاولة لمعرفة ما وراء هذا الحاسب وكيف تمت برمجته. لم يكتف مارك بكونه مستهلكًا، بل رغب في مشاركة صنّاع الحاسب في صنع التاريخ.

بعد برنامج «Zucknet» الذي بدأت العائلة تستخدمه في التواصل بين أفرادها لم يكتف مارك به؛ فأثناء دراسته في الثانوية بأكاديمية «فيلبس إكسترا» قام بتطوير مشغل موسيقى يُدعى «Synapse» أي الوصلة العصبية والذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحديد ما يرغب المستخدم في سماعه. حاولت «مايكروسوفت» شراء المُشغل، وبدا كما لو أن أبواب الثراء ستٌفتح على مصراعيها أمام المراهق الصغير، لكنه كان يعلم جيدًا أن المال الكثير سيحد من طموحه في التطور؛ فرفض البيع وأتاح تحميله مجانًا.


مارك في 2004 داخل الغرفة التي خرج منها «فيسبوك». مصدر الصورة: Business insider

انتهى مارك الثانوية ودخل جامعة «هارفارد»، وفي عام 2004 ومن داخل «الغرفة H33» في السكن الطلابي لجامعة «هارفارد» لمعت في عقل مارك صاحب التسعة عشر عامًا فكرة تطبيق يُسهل التواصل بين أفراد الجامعة أسماه «فيسبوك»، تلك الفكرة التي ستجعله بعد 15 عامًا فقط من هذا التاريخ؛ واحدًا من أغنى رجال العالم بثروة تُقدر بحوالي 62 مليار دولار.

لم يكن مارك وحدة من طور «فيسبوك» والذي كان في بدايته يُسمى «The Facebook»، ولكن شاركه في ذلك ثلاثة زملاء هما داستين موسكوفيتش وكريس هيوج وإدواردو سيفير. تلقى الموقع في 2005 استثمارات بقيمة 12 مليون دولار وذلك بعد توسعه وخروجه من نطاق «هارفارد» إلى طلبة الثانوية. رفض مارك كآفة العروض من «ياهو» و«مايكروسوفت» للإعلانات أو شراء الموقع، وترك «هارفارد» منتقلًا إلى وادي السيليكون في كاليفورنيا للاستثمار في فكرته. وهو ما نجح فيه بعد ذلك ليتسع نطاق «فيسبوك» إلى ملايين المستخدمين في أمريكا، ومن ثم بقية أنحاء العالم ليتخطى عدد مستخدميه النشطين الآن 2 مليار شخص.

كل هذه الأرقام تبدو جيدة، واعتُبرت إنجازًا للشاب الطموح الذي اختارته مجلة «تايم» في عام 2010، شخصية العام، لكن «فيسبوك» في السنوات الأخيرة تحول برأي الكثير من النقاد والمتابعين والمستخدمين إلى إمبراطورية مستبدة يتفرد فيها مارك بالرأي دون أي اعتبار للآخرين.

«فيسبوك».. أنت مجرد رقم

«فيسبوك هو أكبر أُمّة في العالم، وإذا نظرت إليه من ناحية الديموقراطية، فإن مارك زوكربيرج ديكتاتور، إنه يضع القواعد وحده، دون أن ينتخبه أحد» *بيتر سوند مؤسس موقع «The pirate bay»

في التاسع عشر من شهر سبتمبر (أيلول) الماضي قام «فيسبوك» بغلق صفحة موقع «إضاءات» بزعم نشرها محتوى يحض على الإرهاب والكراهية. الصفحة كانت قد تجاوزت نصف مليون متابع من شتى أنحاء العالم، وكان سبب الغلق الرئيس – بحسب مديري الموقع – مجموعة مقالات تحت عنوان «القضية الفلسطينية»، كانت تلقى اهتمامًا كبيرًا من المتابعين. لم يعط «فيسبوك» القائمين على الموقع أي فرصة لشرح وجهة نظرهم، ولم يحقق في الأمر إلا من منظوره الشخصي ومنظور الحكومة الإسرائيلية التي تقوم بتتبع أي محتوى ينشر عن القضية الفلسطينية والإبلاغ عنه، وغالبًا ما يجد الأذن المصغية له؛ ففي النهاية جاء القرار. حذف تام لصفحة كانت تضم قرابة النصف مليون شخص دون سبب اعتباري ودون أي مراعاة أو إعطاء فرصة ثانية.


الرسالة التي كانت تواجه مستخدمي «فيسبوك» عند الدخول لصفحة «إضاءات»

زعم «فيسبوك» أن الإغلاق كانت نتيجة لنشر الكراهية، وبالبحث في الأمر تبين أن وفدًا من «فيسبوك» كان قد زار تل أبيب في عام 2016 ووقع اتفاقًا مع الحكومة الإسرائيلية بالمساعدة في وقف ما أسمتها الحكومة «حملات الكراهية» دون أن تحدد نوعها وماهيتها. لكن الواضح حسب المراقبين أن الفلسطينيين كانوا المعنيين بهذا الاتفاق ومن خلفهم أي صفحة تنشر أو تعلق على القضية الفلسطينية من وجهة نظر مغايرة لمنظور الحكومة والتي يتبعها بشكل أو بآخر «فيسبوك»، وقام بالفعل بغلق صفحة «إضاءات» بسبب بلاغ منها.

هذا هو الحال بالنسبة لصفحة يمكن إنشاء بديل لها كما يمكن إيجاد ما نُشر عليها؛ لأن الموقع لا يزال يعمل، ماذا عن الحسابات الشخصية التي عليها صور وذكريات لا تنسى؟

حسنًا لا يكترث «فيسبوك» بهذا على الإطلاق، فأنت تبدو له مجرد رقم من 2 مليار رقم، يزعم أنه يهتم بك وبمشاعرك وبذكرياتك، لكن الواقع أنه لا يتورع عن إغلاق أي حساب لا يروق له، أو لتلقيه بلاغات عنه ارتأت إدارة الموقع أنها صحيحة.

(ع ص) طبيب أورام مصري مشهور على «فيسبوك»، كان الحساب بمثابة حبل إنقاذ له من بئر الاكتئاب بعد فقد أخته؛ إذ كان يقوم بنشر ذكرياته وصوره مع الأطفال المصابين بالسرطان، ويقوم بسرد مواقف حياتية تعرض لها، وذات مرة قام بنشر انتقاد لإحدى المسلسلات التليفزيونية، دون أن يحتوي على كلمة مخالفة، لكن مُنتجي المسلسل قاموا بالإبلاغ عن المنشور، فما كان من «فيسبوك» إلا أن حذف الحساب بالكامل، بما عليه من صور وذكريات ومنشورات مثلّت لسنوات طويلة جانبًا كبيرًا من حياته، كتابات لم يكتبها إلا على هذا الحساب، وصور لم ينشرها إلا عليه، ليقرر مديرو «فيسبوك» في لحظة حذف كل هذا دون سابق إنذار.

يدّعي «فيسبوك» أنه وُجد لتقريب المسافات ولإبقاء الناس على تواصل، في الحقيقة هو يفعل هذا، لكن ما إن تنشر رأيًا مخالفًا لسياستهم فإنك ستُقابل بالحذف والإيقاف، بل لا يتورع عن حذف كافة بياناتك وصورك وذكرياتك مقابل بلاغ واحد دون منحك أي فرصة للاحتفاظ بما كان عليه.

لا يبدو الأمر مفاجئًا لمن هم قريبون من دائرة صنع القرار في «فيسبوك»، والذين وصفوا مارك بأنه أحد ديكتاتوري القرن التاسع عشر نتيجة استحواذه على الرأي داخل أكبر موقع اجتماعي في العالم، ولهذا قصة أخرى.

من داخل «فيسبوك».. خوارزميات مخيفة وصوتُ واحد لا يُسمع غيره

«التسجيل في هذا الموقع مجاني وسيبقى دائمًا» عبارة يستهل بها «فيسبوك» افتتاحيته، وهي صحيحة تمامًا، لكن هذا التسجيل المجاني سيجلب له الكثير من الأموال، والسُلطة أيضًا.

صُمم «فيسبوك» لكي يجعلك تقضي أطول وقت ممكن من الساعات على صفحة الـ«News feed» الخاصة بك، تريد أخبارًا؟ حسنًا سيعرضها لك من مصادرك المفضلة، والتي سبق وأن تفاعلت معها، لديك أصدقاء مقربون؟ سيعمل على تقوية العلاقة بينكما من خلال تصميم فيديو ليوم صداقتكما يستعرض فيه ذكرياتكما وصوركما معًا، تريد أن تذهب إلى مطعم لتناول الجمبري؟ يقوم بتحديد المطعم ومكانه وما يقدمه، وعندما تعود وتفتح صفحتك تجد إعلانات لمطاعم أكثر من المعتاد، من بينها الجمبري بكل تأكيد.

كل هذا ليس من قبيل المصادفة، بل هي خوارزميات «فيسبوك» التي من خلالها يحاول التعرف عليك وعلى نمط حياتك، ويقوم بتخزين ذكرياتك وتفضيلاتك، والأماكن التي تذهب إليها ليستخدم كل هذا في التعرف عليك وعلى حياتك بكل جوانبها، ومن ثم يستطيع أن يوُجه لك مئات الإعلانات المدفوعة الأجر، أو ربما لسوء حظك يُسرب بياناتك بالخطأ، ربما كما حدث في فضيحة «كامبريدج أناليتكا» التي هزت عرش عملاق التواصل الاجتماعي.

لا تبدو المجانية التي على الواجهة صحيحة 100%، فالإعلانات التي تضخ مليارات في خزانة «فيسبوك» تستخدمك أنت لتكون أنت السلعة دون أن تدري.

يرفض «فيسبوك» الإعلان إلا عن جزء صغير من خوارزمياته تلك، بينما أغلبها لا يعلم أحد عنها شيئًا سوى «فيسبوك» نفسه. الأمر الذي يجعلنا نلقي نظرة على الموقع من الداخل لنعلم إن كانت بياناتنا آمنة حقًا أم لا.

في مقال للكاتبة نينا يانكوفيتش بـ«واشنطن بوست» تحت عنوان «لماذا يحب الديكتاتوريون «فيسبوك»  تتهم الكاتبة مارك بأنه ذا معايير مزدوجة، فبالرغم من زعمه أنه «فيسبوك» جاء لتقريب التواصل بين الناس وجعلهم قريبون من بعضهم، إلا أنه مستعد لانتهاك خصوصيتهم وحذف ما ينشرونه عبره إذا أثر ذلك على أرباحه، وضربت المثال بفيديو بثه المعارض الروسي أليكسس نالفاني ضد أفراد في الحكومة الروسية على «إنستجرام»، وبدلًا عن مواجهة خطر حظره داخل روسيا أذعن «فيسبوك» لطلب روسيا وقام بحذف الفيديو.

كذلك فعل «فيسبوك» بحذف منشورات وفيديوهات تهاجم الحكومات في إسرائيل والمغرب والهند. وفي حين أن «فيسبوك» محظور داخل الصين إلا أن هناك مفاوضات لجعله متاحًا هناك بعد الخضوع لأداة مراقبة تستخدمها الحكومة الصينية في التجسس على مواطنيها.


صورة لمارك زوكربيرج مع الرئيس الصيني جين بينج في 2015. المصدر: «واشنطن بوست»

يبدو مارك بحسب الكاتبة مستعدًا لخرق خصوصية عملائه مقابل الحصول على أموال ضخمة إذا أصبح متاحًا داخل الصين صاحبة أكبر تعداد للسكان في العالم. هذا عن الشكل الخارجي ماذا عن هيكل الشركة من الداخل؟

يملك «فيسبوك» كأي شركة مجموعة من الأسهم، مُقسمة طَبقيًا وفقًا لإرادة مارك إلى قسمين (A)، وقسم (B)، بالنسبة لمن لديه أسهم من الشريحة (B)  فهم مارك ومجموعة من المتعاونين معه فقط، أما الشريحة (A) فتضم بقية المساهمين، كل هذا يبدو طبيعيًا، لكن المثير في الأمر أن الصوت في الشريحة (B) يبلغ 10 أضعاف الصوت في الشريحة (A)، أي أنه لتمرير أي قرار ينبغي أن توافق عليه الشريحة (B) حصرًا.

وبلغة الأرقام فإن مارك بامتلاكه للشريحة (B) يمتلك فعليًا نحو 75% من الأصوات داخل «فيسبوك»، ما حدا بالمساهمين أنفسهم في الشريحة (A)  بوصفه بالديكتاتور، مطالبينه بأن يترك منصبه كمهيمن على كل شيء. ولتبرير هذا الأمر ادّعى «فيسبوك» أن كل هذا من أجل الحفاظ على استقرار الموقع وضمان استمرارية عمله، الحفاظ على الاستقرار إذًا مبرر في نظر مارك للسيطرة على الشركة وقراراتها.

مستقبل غامض وهيمنة على كل شيء

«مارك زوكربيرج هو بالتأكيد أخطر شخص في العالم» سكوت جالاوي أستاذ الاقتصاد بـ«جامعة نيويورك».

تبدو رغبة الهيمنة والاستحواذ داخل عقل مارك زوكربيرج واضحة للعيان بحسب جالاوي، فقد استحوذ في عام 2012 على عملاق مشاركة الصور والفيديوهات إنستجرام (Instagram) بالكامل وفي عام 2014 استحوذ على «الواتس آب» (whats app). يملك مارك إذًا بين يديه ثلاثة تطبيقات يمثل كل واحد منها وحده عصبًا في مواقع التواصل، ولا يكتفي بذلك، بل يحاول دمجهم جميعًا في تطبيق واحد بحلول عام 2020 ما يجعله وحده مسؤولًا عن تطبيق تملك 2.7 مليار مستخدم! سُلطة لا يملكها أي شخص آخر في العالم بكل تأكيد.

يرى أستاذ الاقتصاد بـ«جامعة نيويورك» أن تنوع الإعلام ووجهات النظر شرط أساسي لسلامة المجتمع والحفاظ عليه، لكن أن يخضع 2.7 مليار إنسان لسيطرة شخص واحد ووجهة نظر واحدة، أمر مخيف بكل تأكيد.

جانب آخر يراه جالاوي في سطوة مارك زوكربيرج، وهو تأثيره الاقتصادي المخيف على العالم، والذي يمنحه حصانة غير مرئية تجعل من ملاحقة السلطات له أو لشركته بأي تهمة أمرًا خطيرًا، إذ سيحتج مارك حينها بأنه لا يستطيع إغلاق أو التأثير على الشبكة الاجتماعية لما تمثله من عصب اقتصادي هام في العالم.

الجدير بالذكر أنه وكجزء من تعزيز هذه السطوة الاقتصادية فإن مارك نفسه قد أعلن عن إطلاق عملة مشفرة موحدة على «فيسبوك» تُدعى ليبرا (Libra)، هذه العملة التي إن انتشرت كما انتشر «فيسبوك» والتطبيقات التابعة له ستجعله بالفعل أكبر شخص مهيمن على العالم، اقتصاديًا واجتماعيًا وربما حتى بيانيًا إذ يملك الآن بالفعل بيانات ملايين البشر، الأمر الذي جعل الكونجرس يستدعيه للمرة الثانية بعد فضيحة «كامبريدج أناليتكا» لسماع شهادته في الثالث والعشرين من الشهر الحالي بشأن إطلاقه العملة الجديدة.

في النهاية لا يبدو أن مارك مستعد للتنازل عن شريحة الامتيازات هذه، سواء داخل هيكل شركته أو حتى مع مستخدميها، وبينما يحتدم الجدل حول كونه ديكتاتورًا أم عبقريًا استطاع تطويع التكنولوجيا وتطويرها فإنه من المؤكد أن «فيسبوك» الآن صار عنصرًا رئيسًا في التأثير على حياة نحو ثلث سكان العالم الذين أصبحت بياناتهم ومعلوماتهم وذكرياتهم بيد شركة واحدة أو بالأحرى شخص واحد.

لماذا ينبغي علينا أن نخاف من «خوارزمية» فيسبوك؟

المصادر

تحميل المزيد