قرر وزير الخارجية الإسرائيلي، غابي أشكنازي، تعيين الدبلوماسي ورجل الأعمال، تسفي حيفتس، مبعوثًا خاصًّا إلى دول الخليج ومسؤولًا عن إقامة سفارتين في كل من أبوظبي والمنامة وقنصلية في دبي، وعن تطوير العلاقات مع دول خليجية أخرى.

أتت خطوة تعيين تسفي حيفتس صاحب الخلفية الدبلوماسية والاقتصادية معًا، قبل أيام من تنصيب الرئيس الأمريكي المنتخب، جو بايدن، وتسريبات تتحدث عن انضمام دول أخرى من مجلس التعاون الخليجي لقطار التطبيع مع إسرائيل، وتغيرات محتملة في علاقة دول الخليج مع واشنطن.

يحاول التقرير التالي التعرف إلى خطة الرجل المستقبلية، وما هي الوسائل التي سيوظفها من أجل تنفيذ المهام الموكلة له؟ والتي من بينها «تطوير العلاقات مع الدول الخليجية وتوسيعها ووضعها على طريق ثابت وأسس متينة».

تسفي حيفتس.. من هو مهندس العلاقات الجديدة بين إسرائيل والخليج؟

«كان جدي يخطط للذهاب إلى فلسطين قبل الحرب العالمية الثانية، حيث سبق له الذهاب إلى هناك عام 1935 لنقل عمله هناك، لكن الأوان كان قد فات» *تسفي حيفتس، متباهيًا بدور جده، باعتباره أحد الأوائل الذين دعموا ومولوا تأسيس وطنٍ لهم في إسرائيل، خلال مقابلة صحافية.

من أسرة يهودية، أسهمت في دعم وتمويل الأنشطة الصهيونية والتبرع بالمال للمنظمات اليهودية في فلسطين، كغالبية العائلات التي انتقلت إلي مقاطعة بيروبيدجان، في شرق روسيا، باعتبارها أول وطن رسمي لليهود، والتي أسسها الزعيم السوفيتي ستالين عام 1934،جاء تسفي حيفتس.

غير أن الأمور لم تسر بشكل جيد لليهود في الاتحاد السوفيتي، بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وهزيمة ألمانيا، إذ انقلب ستالين عليهم، وأعدم البعض منهم والذي كان من بينهم الجد الأكبر لتسفي حيفتس. وذلك ضمن حملة القائد السوفيتي لقمع الثقافة اليهودية، وغلق المعابد اليهودية في المنطقة، ليغادر حيفتس مع أسرته آنذاك إلى لاتفيا، التي انتقل منها لاحقًا إلى إسرائيل، وتحديدًا عام 1971.

التحق الشاب عام 1976، بسلاح المخابرات الإسرائيلي في جيش الاحتلال (الوحدة 8200)، قبل أن ينهي خدمته في رتبة رائد عام 1983، وينتقل بعدها لدراسة القانون من جامعة تل أبيب.

كانت المحطة الأولى للشاب في مسيرته المهنية، بعد دراسته للقانون في جامعة تل أبيب، هي الالتحاق بالسلك الدبلوماسي عام 1989، ممثلًا لبلاده في سفارة إسرائيل بموسكو، والتي كانت تمارس مهامها آنذاك في مقر السفارة الهولندية، ليعمل ضمن فريق عمل على إعادة العلاقات مع الاتحاد السوفيتي بعد التدهور الذي لحق العلاقة الثنائية بينهما.

لم تستمر مهام الرجل كثيرًا داخل أروقة الخارجية، إذ اتجه إلى عالم البيزنس الذي أثمر عن تأسيس واحدة من أكبر الشركات الصناعية، هي شركة كلال للصناعات والاستثمارات والمتخصصة في تأسيس وتطوير الشركات في مختلف الصناعات، إلى جانب استثماراته في شركات علاقات عامة ومكاتب محاماة دولية وأيضًا مؤسسات إعلامية، فقد شغل تسفي حيفتس منصب نائب رئيس ثاني أكبر مجموعة نشر في إسرائيل، والتي تنشر صحيفة معاريف الإسرائيلية.

عاد حيفتس إلى عالم الدبلوماسية عام 2004، عندما عينه رئيس الوزراء آنذاك أرييل شارون سفيرًا في المملكة المتحدة. وبعد ما يقرب من عقد من الزمان، أُرسل إلى النمسا ثم إلى روسيا، ثم إلى الصين في عام 2017.

كانت محطة الرجل الأبرز في البلدان التي تنقل خلالها؛ هي سنوات عمله ممثلًا لبلاده في روسيا عام 2015، إذ أسس مرحلة تعاون جديد بين تل أبيب وموسكو انعكست في كثير من الملفات المشتركة أبرزها الملف السوري، الذي حاولت إسرائيل من خلاله، تقويض النفوذ الإيراني عبر توجيه ضربات عسكرية بتسهيلات روسية.

كانت أبرز أدوار الرجل في هذا السياق منع وصول أسلحة روسية لحزب الله أو قواته المنتشرة في سوريا عبر توظيف علاقاته المتطورة مع المسؤولين الروس نحو وقف أي عمليات بيع للسلاح الروسي لحزب الله، وإجراء تحقيقات داخلية داخل الجيش الروسي للتأكد من عدم إتمام أي عمليات بيع لـ«حزب الله».

توج جهود الدبلوماسي الإسرائيلي في بلوغ العلاقات الإسرائيلية الروسية درجة تطور كبير، تصنيف السفارة الإسرائيلية في روسيا باعتبارها أفضل بعثة دبلوماسية أجنبية في عام 2016، كما حصل في العام ذاته على وسام من وزارة الخارجية الروسية نظير دور شخصي مهم، في تعزيز العلاقات بين روسيا وإسرائيل.

كان آخر مهام تسفي حيفتس الدبلوماسية هي مساعدة بلاده في مواجهة أزمة الوباء، بعدما استطاع جلب الإمدادات من المستلزمات الطبية إلى إسرائيل من الصين خلال فترة عمله سفيرًا لبلاده هناك، واستثمار علاقاته الوطيدة مع رجال الأعمال الصينين من «أصدقاء إسرائيل» مثل الملياردير الصيني جاك ما، مؤسس شركة علي بابا ،في التبرع بعشرات الآلاف من الأقنعة واختبارات فيروس كورونا وملابس واقية لإسرائيل.

وخلال فترة عمل الأخير سفيرًا لبلاده في الصين، لعب دورًا رئيسيًّا في زيادة أعداد المستثمرين الصينيين في شركات التكنولوجيا الإسرائيلية لمستويات عالية جديدة.

ما هي خطة تسفي حيفتس لتكوين أصدقاء جدد في الخليج مع إسرائيل؟

حدد قرار الخارجية الإسرائيلية بتعيين تسفي حيفتس، مبعوثًا خاصا إلى دول الخليج، بعضًا من المهام الموكلة للرجل في هذه المنصب الجديد، والتي تضمنت إقامة سفارتين في كل من أبوظبي والمنامة وقنصلية في دبي، والانطلاق بعد ذلك في توسيع العلاقات إلى دول خليجية أخرى من خلال «تطوير هذه العلاقات وتوسيعها ووضعها على طريق ثابت وأسس متينة».

وتستهدف مهام الرجل الجديد تسريع وتيرة توقيع اتفاق علاقات سلام مع ثلاث دول خليجية جديدة، لتلحق بركب الإمارات والبحرين، وهي الدول التي أعلن وزير الاستخبارات الإسرائيلي، إيلي كوهين، أنه يتوقع لها الانضمام قريبًا، مُرشِحًا قطر لتكون أولى هذه الدول، خصوصًا بعد المصالحة الخليجية.

من جانبه، يعتقد رياض محمد، الباحث العراقي المتخصص في الشأن الأمريكي، في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن هذا الرجل سيدفع نحو هندسة العلاقة بشكل معين مع دول الخليج، قائلاً: «هذا رجل متنفذ وله خبرة دبلوماسية جيدة ولعب أدورًا مهمة في العلاقات الإسرائيلية الروسية. وبالتالي تعيينه يعكس أهمية هذا الملف لدى نتنياهو. أظن أنه سيسرع خطوات التطبيع أكثر».

وأضاف رياض محمد، وهو كاتب رأي في مجلة «فورين أفيرز»، أن الدبلوماسي الإسرائيلي سينجح مع الإمارات بالتأكيد، لكن البحرين وضعها مختلف لأنها دولة نظامها هش وقدرة إيران بالتأثير في أوضاعها أسهل.

وتابع محمد أنه ربما سينجح في ضم قطار إلى ركب التطبيع واتفاقيات السلام، مؤكدًا أن السعودية ملفها أصعب لأسباب متعددة، منها خدمة الحرمين والمؤسسة الدينية الوهابية وخوفها من إيران، على حد تعبيره.

وحول أوراق النفوذ المحتملة في قبضة الدبلوماسي الإسرائيلي لتطوير العلاقات مع دول الخليج، أجاب الباحث العراقي المُقيم في واشنطن، أن «علاقته الوثيقة بنتنياهو وكونه رجل أعمال ويمتلك عقلية مشابهة إلى حد ما لبعض حكام الخليج هي أوراق نفوذه».

وبحسب دراسة صدرت عن الباحث إيهود يعاري في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأوسط، فإن «إقامة ترتيبات تطبيع تدريجية مع العديد من الدول العربية هو المسار الأكثر ترجيحًا للتطور القريب المدى لعملية السلام بين العرب وإسرائيل، بدلاً من سلسلة وشيكة من الاتفاقات التاريخية على غرار الاتفاق الذي وقّعت عليه الإمارات».

الجانب الآخر من خطة الرجل في تطوير علاقة تل أبيب بدول الخليج ستكون من خلال توظيف خبراته الدبلوماسية السابقة بالصين عبر تعزيز حضور الشركات الإسرائيلية ضمن مشروع «طريق الحرير»، أو ما يعرف أيضًا بـ«مبادرة الحزام والطريق»، الذي سيلعب دورًا مركزيًّا في تطوير منطقة الخليج الكبرى.

ومبادرة مشروع «طريق الحرير» تهدف إلى توسيع التجارة العالمية من خلال إنشاء شبكات من الطرق والموانئ والمرافق الأخرى عبر دول الخليج ودول أخرى في آسيا وأفريقيا وأوروبا.

منطقة الشرق

منذ 4 شهور
«المونيتور»: وضع جديد يتبلور.. 5 نقاط تلخص تبعات التطبيع الخليجي

وحقق الرجل دفعة كبيرة في تعزيز عمل الشركات التكنولوجية الإسرائيلية في هذ المشروع، خلال سنوات عمله الدبلوماسي في الصين، عبر توقيع مئات الاتفاقيات بين الشركات التكنولوجية الإسرائيلية مع مقاطعة فوشان التي تعد من أكبر المدن الصناعية في الصين، والتي تُعد المحطة الأبرز في تنفيذ مشروع «طريق الحرير».

ومن ناحية أخرى، فإن خطة الرجل سترتكز بصورة أساسية على الاستفادة من خلفيته المالية باعتباره رجل أعمال في تعزيز عمل الشركات الإسرائيلية في منطقة الخليج، وبالأخص العامة في مجال تكنولوجيا المعلومات، في ظل تراجع الاستثمارات فيها، بحسب أوجين كوندال رئيس ما يعرف بـ«قطاع الستارت أب» في إسرائيل والمستشار الاقتصادي السابق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وتشير سياسة الدبلوماسي الإسرائيلي خلال سنوات عمله في الصين إلى اتباعه استراتيجية لتوطيد نفوذ بلاده من خلال رجال أعمال البلد، عبر إقامة علاقات معهم، وكسبهم «أصدقاء لإسرائيل» لتنفيذ سياسته وهي الآلية التي يبدو أنها ستتكرر في مهمته الجديدة في الخليج.

المصادر

تحميل المزيد