بعد مشاهدة مسلسل «هذا المساء» ربما لا يجب عليك أن تغلق نوافذ وأبواب بيتك لكي تحفظ خصوصيتك بل يجب عليك أن تُغلق هاتفك المحمول وجهاز الكمبيوتر وأن تتجنب الأجهزة المتصلة بالإنترنت، وتُفكر أنه يجب عليك أن تحمي نفسك من أي اختراق، بأن تتعلم كيفية الاختراق وكيف يتم إخفاء أسرارك بطريقة معقدة حتى يصعب على أي أحد اختراقك.

تدور أحداث المسلسل حول اختراق أجهزة المحمول، وما يُحدثه من انتهاك الخصوصية واستخدام المعلومات التي يحصل عليها المخترقون لابتزاز الضحية، وتكشف عملية التجسس بواطن كل الشخصيات وكل ما يخفونه، وينتقل تامر محسن – مخرج ومؤلف المسلسل – بين عالم الأثرياء وعالم الطبقة المتوسطة ويجعلهم يلتقيان في مشكلاتهم عبر أسرار كل عالم حين يتم اختراقه.

عسكري الدرك والخوف من الآخر

في القرن الـ19 أنشأ العثمانيون فكرة «عسكري الدرك» وهو عسكري يتجول في الشوارع لحفظ الأمن ويمثل المراقبة اليقظة للدولة والذي يقوم بتحديد هوية المارين وحماية المحلات والمنازل من السرقة، وقد تم إلغاء تلك الوظيفة بعد ثورة عام 1952 في مصر واستبدال «أمناء الشرطة» بعسكري الدرك.

في القرن الـ21 لم نعرف عسكري الدرك إلا من خلال أفلام الأبيض والأسود، والتي يظهر فيها بزي أسود ومعه صافرة كأداة لتلبية نداء المساعدة وإنذار على حدوث شيء مخالف للقانون، وكان ذلك العسكري في أغلب الأحيان منتميًا للمنطقة التي يقوم بحراستها ولذلك فإن أي شخص غريب عن المكان يمكن أن يعرفه بسهولة.

الآن أصبحت مراقبة الشوارع وحراستها ليلًا مسؤولية كل فرد، فكل فرد مسؤول عن مراقبة ممتلكاته وحمايتها حتى يأتي جهاز الشرطة، ولذلك انتشرت شركات الأمن لسد الفراغ الذي أحدثته الدولة في الشارع وتَحمل مسؤولية المراقبة والحماية التي أُلقيت على عاتق المواطنين، ولكن مع التطور التكنولوجي في مجال المراقبة والحماية أصبح يمكن الاستغناء عن الأفراد واستبدال كاميرات مراقبة بهم وأجهزة إنذار وبوابات إلكترونية. يقول ديفيد ليون – دكتور علم الاجتماع في جامعة كوينز في كندا – «يبدو أن الوسائل البارزة لتحقيق الأمن هي تقنيات المراقبة الجديدة وتكنولوجياتها، التي تفترض أن تحرسنا ليس من أخطار بعينها بل من مخاطر أكثر ضبابية وهلامية».

إدوارد سنودون وشان سميث في برنامج vice وحلقة بعنوان «دولة المُراقبة».

في حوار بين زيجمونت باومان وديفيد ليون في كتاب «المراقبة السائلة» يوافق باومان على رأي ليون في الربط بين تقنيات المراقبة وتحقيق الأمن، ويدعم تلك الفكرة بما أعقبته أهوال 11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 والخوف ليس فقط ممن خارج نطاق الدولة بل من المواطنين أنفسهم، وذلك ما جعل فكرة «الخوف من الآخر» التي يفسرها باومان على أن «الآخر» ليس فردًا أو مجموعة أفراد فيما وراء حدود المدينة قد حُرموا من الاستقرار أو الإقامة بها، بل إن ذلك الآخر هو أحد الجيران أو المارة، أو أحد المتسكعين أو المطاردين.

لقاء مع دكتور ديفيد ليون عن المراقبة السائلة وطرق العيش الجديدة عبر الإنترنت.

جعل «تامر محسن» الشخصيات التي تقوم بالاختراق الإلكتروني في مسلسل «هذا المساء» لديهم هوس وإدمان لجمع المعلومات وحفظها، فكلما عرف الشخص أكثر، شعر بعدم الأمان والخطر الدائم وفي بعض الأحيان يشعرون بالثقة بالنفس ونشوة الانتصار على الآخرين عن طريق معرفة أسرارهم، تقول آن مينتون في كتاب «Ground Control»: «إن الحاجة إلى الأمن يمكن أن تتحول إلى إدمان، حيث يجد الناس أنهم كلما شربوا من خمر المراقبة فإنها لا ترويهم، إنها مثل المخدرات فما أن يعتادوا عليها لا يمكنهم الاستغناء عنها».

لاحظت أجنيس هيلر أن الروائيين المعاصرين يعتمدون في حبكاتهم الدرامية على «الخوف المحيط» الذي يتسرب إلى حياتنا اليومية، الخوف من الاتهام بالهرطقة أو السحر أو السرقة أو القتل، ولذلك يجب علينا أن نحمي أنفسنا من الآخر ويجب علينا أن نُكثف جهودنا لتحالف الأمن مع المراقبة لحماية أنفسنا من «مجتمع المخاطر» كما أطلق عليه ديفيد ليون.

اقرأ أيضًا: «ويكيليس»: «سي آي إيه» يمكنها اختراق أجهزة الكمبيوتر غير المتصلة بالإنترنت

المراقبة والأخلاق

يُمثل سمير «أحمد داوود» في «هذا المساء» الصراع بين فعل المراقبة والأخلاق، لم يستطع سمير أن يهرب من داء اختراق الخصوصية في بعض الأحيان الذي قد أدى به إلى تدمير حياة آخرين، وعندما امتنع عن هذا الفعل أصبح الوازع الأخلاقي لصديقه سوني «محمد فراج» الذي يذكره بنفسه وبأفعاله.

تتحدث المفكرة والأكاديمية في العلوم السياسية، هبة رءوف عزت، في مقدمة كتاب «المراقبة السائلة» عن مسألة الضمير والحس الأخلاقي ليس فقط للمُراقب الذي ينتهك خصوصية الغير بل أيضًا من يتم مراقبتهم ويعرفون أنهم مراقبون، فالانضباط والالتزام نابعان من خشية المُحاسبة من آخرين لا من قناعة دينية أو التزام أخلاقي.

يمكنك أيضًا قراءة: السيولة وظواهرها.. نافذة على فكر باومان

يقوم سوني «محمد فراج» باختراق أجهزة المحمول للعديد من السيدات اللواتي يقمن بخيانة أزواجهن أو الفتيات اللواتي لهن علاقات غير شرعية في نظر الدين والمجتمع، وبعد ابتزازهن يُنبه عليهن عدم تكرار هذه الأفعال ويُعلمهن أنه يراقبهن وسيعلم إذا أخطأن مرة ثانية.

ابتكر عالم القانون والفيلسوف الإنجليزي «جيرمي بنثام» سجن «البانوبتيكون» وهو سجن عبارة عن غرف لسجناء على شكل دائري يتوسطها برج مراقبة، يسمح للمراقب أن يراقب الجميع، دون أن يكون المسجونون قادرين على معرفة ما إذا كانوا مراقبين أم لا؟ ويرى ميشيل فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة» إن فكرة المراقبة التي ابتكرها بنثام في سجن البانوبتيكون جعلت المواطنين يُراقبون أنفسهم، ويُكرر «جورج أورويل» هذا السجن في روايته الشهيرة «1984» حتى صارت عبارة «الأخ الكبير يُراقبك» هي الصورة المجازية الأساسية للمراقبة والتي يخشاها كل المواطنين الذين يُراقَبون حتى داخل غرف نومهم، فصاروا يراقبون أفعالهم بأنفسهم طالما تلك الأعين التي تراقبهم موجودة، ناهيك عن ما إذا كانت تعمل أم لا.

اقرأ ايضًا: «الأخ الأكبر يراقبك»: خطة الصين للتحكم في هَمْسِ مواطنيها

المراقبة عند بنثام وأورويل كانت من أجل الدولة وكانت الدولة تحتكر تلك الأدوات التي يتم بها مراقبة المواطنين، لكن الآن أصبح المواطنون قادرين على مراقبة بعضهم البعض، ومنهم من استطاع أن يخترق ويُراقب الدولة ذاتها، وقد شغلت قضية إدوارد سنودن الذي قام بتسريب معلومات سرية تابعة لوكالة الأمن القومي الأمريكي إلى صحيفة الغارديان عام 2013، الرأي العام في العالم كله.

اقرأ ايضًا: «سنودن» الرجل الذي كشف «السري للغاية» من وثائق الاستخبارات الأمنية

إعلان فيلم «Snowden» لجوزيف جودون

«الكومباوند» والحارة الشعبية

يمثل أكرم «اياد نصار» الشخص الثري المنتمي إلى الطبقة الأرستقراطية، والذي يعيش في فيلا في كومباوند، ينزل أكرم إلى الطبقة المتوسطة ويعيش معهم ويتزوج من إحدى فتيات الحارة الشعبية.

تبدي الدراما المصرية دائمًا حالة من الاغتراب حين يلتقي أبناء عالم الكومباوند مع الحارة المصرية، تبدأ التفاعلات بينهم في حالة استغراب وعلامات تعجب دائمة، كأن كلًا منهم يعيش في بلدة مختلفة عن الأخرى.

يتناول عالم الاجتماع الإسباني «مانويل كاستلز» الفرق بين طبقة الكومباوند وطبقة العَوام من حيث حدود الاتصال والانتماء للأماكن التي يسكنون فيها، فيقول كاستلز إن الفضاء الذي تسكنه الطبقة العليا عادة ما ينعم بالاتصال العولمي وبشبكة واسعة من التبادل والتعامل، أما الفضاء المُقابل فتسكنه شبكة محلية محدودة، وغالبًا ما تكون الطبقة العليا لا تنتمي إلى المكان الذي يسكنونه لأن اهتماماتهم تقع (بل تعوم) في أماكن متفرقة، ولكن على النقيض الطبقة الدُنيا يصفها باومان في كتاب «الحب السائل» على أنها كُتب عليها أن تظل محلية بل وينبغي أن نتوقع أن اهتماماتها، وكذلك أوجاعها وأحلامها وآمالها تنصب على الشؤون المحلية. إن الحياة بالنسبة إليهم معركة بقاء ومحاولات العيش في حياة كريمة وتستمر المعركة فيكسبونها في بعض الأحيان، ويخسرونها في أغلب الأحيان.

اقرأ ايضًا: مجتمعات خلف الجدار العازل

في الآونة الأخيرة كثُرت إعلانات الكومباوندات التي تعد سكانها بحياة هادئة وآمنة بعيدة عن همجية الشارع وسكانه، وهلع الجريمة والفوضى المنتشرين خارج أسوار الكومباوند، لا أحد من «الغرباء» يستطيع أن يدخل من البوابات، وإن كان لابد من دخول أحدهم ومكوثه فترة طويلة فيجب أولًا أن يتم «تمدينه» و«ترشيده» حتى يمكنه دخول شبكة العلاقات العالمية الراقية، ولكن على العكس عندما يدخل أصحاب الطبقة العليا مثل أكرم في هذا المساء إلى الطبقة الدُنيا فإنهم لا يقومون بعمل فحص له ولا يطلبون بياناته ولا يقومون بإعداده وتأهيله لدخول تلك الطبقة.

إعلان Mountain View

ينتقل تقسيم الحدود الآن من فَصل الدول عن بعضها البعض إلى فَصل المواطنين بعضهم عن بعض، المكانة الاجتماعية يمكن معرفتها من خلال تقسيمات الأماكن ويظل هناك أسوار تُحدد الخارج والداخل، تقول نان إلين في كتاب «Architecture of Fear»: «إن المدن التي شُيدت في الأصل لتوفير الأمان لجميع سكانها ترتبط هذه الأيام بالخطر، وقد زاد عامل الخوف في تشييد المدن ويظهر ذلك في زيادة السيارات المقفلة، وأبواب المنازل المقفلة، والأنظمة الأمنية والشعبية المتزايدة، والمراقبة المتزايدة للفضاءات العامة».

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!